Posts

الْيَوْمُ السَّادِسُ: هَلْ تَحْتَاْجُ الْرَحْمَةُ إِلَى سُلْطَةٍ؟

Image
  خبت أنوار الغرفة ببطءٍ، ولكن لم يأتِ الظلام كاملًا هذه المرة، بقيت خيوط ضوءٍ باهتةٍ تدور في الهواء من حولي. احتجتُ بعض الوقت لأدرك أنها ليست أضواءً، بل مخطوطات؛ عشرات المخطوطات القديمة كانت تحوم في الفضاء كطيورٍ ترفرف أجنحتها ببطءٍ، أوراقها تتوهج بلونٍ ذهبيٍّ خافتٍ، فتُلقي على الجدران المعدنية ظلالًا راقصةً جعلت الزنزانة تبدو أقرب إلى مكتبةٍ مهجورةٍ منها إلى سجنٍ. مدَّ الفضائي يده نحو إحداها، فانفتح مخطوطٌ سريانيّ-عربيّ يتوهَّج بحروفٍ مُشتعلةٍ: "سَتُرْفَضُ... سَتُطْرَدُ... ثُمَّ سَتَنْتَصِرُ." ظللتُ أحدق فيها لحظةً، أما هو فكان ينظر إلَيَّ، لا إلى المخطوط، كأنه ينتظر شيئًا. قال بصوتٍ بدا كوَقْعِ ناقوسٍ يتردَّد في فراغٍ: "نبوءة ورقة بن نَوفل." ثم سكت قليلًا قبل أنْ يضيفَ: "حين تسمع هذه الكلمات... هل ترى فيها طريق ناسكٍ يعتزل صخب الدنيا... أم خُطى رجلٍ قُدِّر له أنْ يُعيد ترتيب العالم من حوله؟" عقدتُ ذراعيَّ أمام صدري؛ كنتُ أعرف إلى أين يريد الوصول، ولهذا أجبتُ بسرعةٍ: "كان ﷺ نبيًّا جاء برسالة التوحيد، دعا إلى عبادة الله وحده وترك ...

الْيَوْمُ الْخَامِسُ: غَزَّة دَاْخِل الْقَبْو

Image
  حَدَّقتُ في وجهه الصامت، في تلك الابتسامة الغامضة التي لا تُفارقه وكأنها سلاحه الخفي. كان سؤاله الأخير لا يزال يَرِنُّ في أُذُني كصدى انفجارٍ لم يخمد بعدُ: "فصلُ الدين عن الدولة له تبعات... هل أحصيتُم كُلفتَه؟ وهل أنتم مستعدون لدفع ثمنه؟" كلماته لم تكُن مجرَّد استفزازٍ، بل بدت كأنها صُمِّمت لنسف شيءٍ عميقٍ في داخلي. لم أَحِرْ جوابًا؛ ليس عجزًا عن الكلام، بل لأن الحقيقة التي وضعها أمامي كانت أقسى من أنْ أعترف بها حتى لنفسي. كلُّ جملةٍ أطلقها كانت كرصاصةٍ تخترق دروعي الواهية، تُفتِّت دفاعاتي، تكشف خَوَاءَ يقيني. ومع ذلك، كان جزءٌ مني يرفض منطقه بعنادٍ.  هل فشلُ المسلمين السياسي دليلٌ على فشل الإسلام؟ بالطبع لا، هذا استنتاجٌ سخيفٌ؛ وإلا لكانت جرائم الكنيسة دليلًا على بطلان المسيحية، ولكانت الحروب العالمية دليلًا على فشل العلمانية نفسها. كنتُ أبحث عن ثغرةٍ أتنفس منها… لكنه كان يُغلقها واحدةً تلو الأخرى. ولكن كيف أُجادِله وأنا أرى بعينيَّ الحدود التي تحبس المسلمين كالقطيع، والجوازات التي تمنعنا من دخول مُقدَّساتنا، وغزة تحترق بينما بعض قادتنا يُهرولون إلى مؤتمراتٍ لا ي...