Posts

الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ: السِّلَاحُ الَّذِي لَمْ يَحْمِلْهُ أَحَدٌ

Image
  انفتحت الحجرة على صمتٍ خانقٍ، لكنه لم يكُن صمت سلامٍ، بل صمت جوعٍ. صمت قهرٍ. أحاطت بنا شِعابٌ جرداء عند أطراف مكة؛ صخورٌ حمراء تُطبق كالجُدران، أشجار شوكٍ عاريةٌ، وسماءٌ بلا طيورٍ. قال الفضائي: "أهلًا بك في شِعب أبي طالبٍ." دخلتُ إلى الوادي بخطواتٍ حذرةٍ. أثار انتباهي الصمت المطبق على المكان؛ لا توجد أصوات طهيٍ، ولا صوت صراخ أطفالٍ كما توقعتُ. أحسستُ بحرٍّ يلهب الجِلد، ثم سمعتُ سُعالًا جافًا، وخطواتٍ مُتثاقلةً.  التفتُّ فإذا بشيخٍ يمسك بطنه، وأمّ تحاول إرضاع طفلٍ جفَّ صدرها منذ أيامٍ، وصبيٍّ يمضغ قطعة جلدٍ مسلوقٍ، عيناه غائرتان، وشفاهه مُتشققةٌ. شعرتُ أنّ الطفل يحدّق في وجهي أثناء المضغ، فأدرتُه بسرعةٍ وسألتُ الفضائي الذي يقف بجواري: "لماذا تُريني هذا؟" قال ببساطةٍ بدت لي مصطَنعةً: "لأنّ قُريشًا لم تردَّ بالفلسفة... بل بالحصار." رفع يده، فظهر في الهواء صكٌّ قديمٌ، مُعلَّقٌ على جدار الكعبة، حروفه حمراء كأنها خُطَّت بالدَّم. بدأت الحروف الحمراء في التمدد فوق الوادي كله كأنها شبكةٌ حديديةٌ تغطي السماء. "لا بيعَ، لا شراءَ، لا زواجَ...

الْيَوْمُ الثَّانِي عَشَرَ: الْغُرْفَةُ الَّتِي بَدَأَ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ

Image
  خَفَتَ ضوءُ الحُجرة، وتلاشَت النجوم. جدرانٌ طينيَّةٌ مُنخفضةٌ أحاطت بي، وسقفٌ من جريد النخل. هواءٌ يعبق برائحة العرق وخشب الصندل، وبشيءٍ أعمق: قوَّة الإرادة. جلستُ في زاوية غرفةٍ صغيرةٍ لا تكاد تَسع غير بضعة أجسادٍ، لكنها كانت تنبض بالحياة. شبابٌ، بعضهم لم يظهر بعدُ على وجوههم شَعر اللِّحى، التفُّوا حول رجلٍ ساكنٍ، تُحيطه المَهابة. عيونهم تتلألأ، لا بالخوف... بل بشرر اليقين. كان النبيُّ ﷺ جالسًا بينهم؛ لا راياتِ، لا جيوشَ، ولا ذهبَ، فقط كلماتٌ، لكنها لم تكن مجرد كلماتٍ عابرةٍ. كنتُ أشعر بها تستقرُّ في الوجوه… كأنها تُعيد تشكيل أصحابها من الداخل. لم يكونوا جميعًا بهذا الهدوء والثبات الذي تصوَّرتهم به من كتب السيرة؛ أحدهم كان يُحرِّك قدمه بعصبيةٍ، وآخر يُخفي ارتجافة يده كلما سُمِع صوتٌ خارج الغرفة. كانوا بشرًا… خائفين، لكنهم بقوا رغم كل هذا. ما أصلبهم! أحسست أنّ هذا أروع مثالٍ لمقولة: "الشجاعة ليست غياب الخوف، بل المضي قُدمًا رغم وجوده." قال الفضائي بصوتٍ خافتٍ، خشية أنْ يقطع المشهد: "هذه دار الأرقم." ثم ابتسم وأضاف: "هنا وُلِدَت الثورة....