الْيَوْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ: الْآيَةُ الَّتِي بَنَتْ إِمْبِرَاطُورِيَّةً
خَفَتَ ضوءُ الحجرة. وفوقنا، تَجسّدتْ مدينةُ مكّة في الرؤية—ليلٌ ساكنٌ يلفُّها، ويأسٌ ثقيلٌ يخنق أزقّتها. لم تكن مدينةَ الفتح الظافرة، بل مهدَ إيمانٍ هشٍّ مُطارَدٍ؛ مشاعلُ تتذبذب في العتمة، واجتماعاتٌ سريّةٌ، وخطواتٌ تتوقف عند كل زاويةٍ، كأنَّ أصحابها يخشون حتى وقعَ أنفاسهم. بذراعين مطويتين، كسرتُ صمت الحجرة قائلًا: "تستمر في الزعم بأنّ الإسلام صُمِّمَ للحكم، لكن في مكّة، لم تكن هناك دولةٌ، ولا دستورٌ، ولا حتى كيانٌ سياسيٌّ؛ لم يكن هناك سوى صلاةٍ، وصبرٍ، وألمٍ. ألا يثبت هذا أنه كان روحانيًا فحسب؟" لم يُجب الفضائي فورًا، كان ينظر إلى مكّة كما لو أنه يرى فيها شيئًا أكبر بكثير مما أراه، كأنّ المدينة بالنسبة له لم تكن ضعيفةً... بل في طور التشكُّل. رفع يده ببطءٍ، فحلّقت آيةٌ مُشعَّةٌ في منتصف الغرفة، وغمرنا نورُها فبدا وكأنّه يملأ الفراغ بيننا: ﴿...وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...﴾ [الشورى: 38] عبستُ متسائلًا: "هذه الآية؟ تبدو لطيفةً، بل ديمقراطيةً، لكن كيف يمكن أنْ تكون سياسيةً؟ الناس يتشاورون طوال الوقت؛ الأصدقاء، العائلات، والجيران، هذا لا يثبت أنّ الإ...