Posts

الْيَوْمُ الثَّالِثُ: مَنْ يُفَكِّرُ دَاْخِلَ رَأْسِي؟

Image
  منذ أنْ غادرني ذلك الكائن الغامض، وسؤاله الأخير يَطِنُّ في أُذُني كَجَرَسٍ لا يكفُّ عن الرنين:  هل نحن فعلًا نَفْصِلُ الدين عن الدولة لأنّ الإسلام يأمر بذلك؟ أم أننا نُكَرِّرُ ما زرعه فينا الاستعمار وأقنعنا أنه "الحقيقة"؟ حاولتُ أنْ أطرد السؤال، ففشلتُ. حاولتُ أنْ أنام، ففشلتُ أيضًا. كلما أغلقتُ عينيَّ رأيتُ وجهي وأنا أجيب بثقة : " الدين لله والسياسة للناس . " ثم أسمع صوته من جديد : " كيف يُنَظِّمُ دينكم طريقة دخول الحمّام... ويترك طريقة إدارة المجتمع؟ " كنتُ أكره السؤال، وربما لهذا السبب لم أستطع التوقف عن التفكير فيه. وبينما أنا غارقٌ في دَوَّامة التفكير، انْبَثَقَ أمامي كائنٌ آخر وكأنه انْشَقَّ من الفراغ؛ لا صوت، لا ضوء، لا باب يُفتح. في لحظةٍ كانت الزنزانة فارغة، وفي اللحظة التالية كان يقف أمامي . انتفضتُ من مكاني، وتأملتُ ملامحه؛ بدا أشبه بالبروفيسور ولكن أصغر سنًا بعدة سنوات.  ( البروفيسور هو اللقب الذي أطلقته فيما بعد على الكائن الذي ظلَّ يستجوبني لشهورٍ عديدة، لديّ أسبابي التي ستعرفها حتمًا، ولكن في الوقت المناسب.) كان أقصر قليل...

الْيَوْمُ الثَّانِي: الِاتِّهَامُ

Image
  اسْتَيْقَظْتُ على برودةٍ تَنْخُرُ عظامي، كأنني سقطتُ في بِئْرٍ من جليدٍ أزرق. لا أتحدث عن بردٍ عادي، بل عن ذلك النوع من البرد الذي يجعلك تشكُّ لِلَحْظَةٍ أنّ الدم ما زال يجري في عروقك . فتحتُ عينيَّ بصعوبة؛ كان رأسي مُثْقَلًا، وأفكاري عالقةً في منطقةٍ ضبابيةٍ بين الحلم واليقظة، لكن جسدي كان ساكنًا تمامًا، وكل محاولاتي للحركة ذهبت سُدًى. كنتُ ما زلتُ أرتدي ملابسي المدنية العادية؛ سروالَ الجينز وقميصاً قطنيًّا، وهي تزيد من شعوري بالهشاشة واللاجدوى في هذا المكان الغريب. لم تكن البرودة مجرد إحساسٍ بالطقس من حولي، بل شعورًا بالانفصال التام، كأنّ هذا الجليد الأزرق لا يَنْخُرُ عظامي فحسب، بل يُجَمِّدُ تدفُّق الأفكار داخل عقلي . شيءٌ ما كان يُقَيِّدُني، والأسوأ أنني لم أكن متأكدًا لِلَحْظَتِها إن كان ما يشُلُّني قوةً خارجية... أم خوفًا بدأ يستيقظ داخلي . نظرتُ إلى يديَّ فرأيتُ سلاسلَ، ولكنها ليست سلاسلَ حديديةً كالتي نعرفها، بل أطواقٌ شفافةٌ من نور، تُحيطُ بِمِعْصَمَيَّ وكاحِلَيَّ. لم تَكُنْ مؤلمةً، ولم تَكُنْ خانقةً، لكنها سلبتني إرادتي تمامًا . رَفَعْتُ رأسي أتفقد المكان، ف...