الْيَوْمُ الثَّالِثُ: مَنْ يُفَكِّرُ دَاْخِلَ رَأْسِي؟
منذ أنْ غادرني ذلك الكائن الغامض، وسؤاله الأخير يَطِنُّ في أُذُني كَجَرَسٍ لا يكفُّ عن الرنين: هل نحن فعلًا نَفْصِلُ الدين عن الدولة لأنّ الإسلام يأمر بذلك؟ أم أننا نُكَرِّرُ ما زرعه فينا الاستعمار وأقنعنا أنه "الحقيقة"؟ حاولتُ أنْ أطرد السؤال، ففشلتُ. حاولتُ أنْ أنام، ففشلتُ أيضًا. كلما أغلقتُ عينيَّ رأيتُ وجهي وأنا أجيب بثقة : " الدين لله والسياسة للناس . " ثم أسمع صوته من جديد : " كيف يُنَظِّمُ دينكم طريقة دخول الحمّام... ويترك طريقة إدارة المجتمع؟ " كنتُ أكره السؤال، وربما لهذا السبب لم أستطع التوقف عن التفكير فيه. وبينما أنا غارقٌ في دَوَّامة التفكير، انْبَثَقَ أمامي كائنٌ آخر وكأنه انْشَقَّ من الفراغ؛ لا صوت، لا ضوء، لا باب يُفتح. في لحظةٍ كانت الزنزانة فارغة، وفي اللحظة التالية كان يقف أمامي . انتفضتُ من مكاني، وتأملتُ ملامحه؛ بدا أشبه بالبروفيسور ولكن أصغر سنًا بعدة سنوات. ( البروفيسور هو اللقب الذي أطلقته فيما بعد على الكائن الذي ظلَّ يستجوبني لشهورٍ عديدة، لديّ أسبابي التي ستعرفها حتمًا، ولكن في الوقت المناسب.) كان أقصر قليل...