Posts

الْيَوْمُ الثَّانِي: الِاتِّهَامُ

Image
  اسْتَيْقَظْتُ على برودةٍ تَنْخُرُ عظامي، كأنني سقطتُ في بِئْرٍ من جليدٍ أزرق. لا أتحدث عن بردٍ عادي، بل عن ذلك النوع من البرد الذي يجعلك تشكُّ لِلَحْظَةٍ أنّ الدم ما زال يجري في عروقك . فتحتُ عينيَّ بصعوبة؛ كان رأسي مُثْقَلًا، وأفكاري عالقةً في منطقةٍ ضبابيةٍ بين الحلم واليقظة، لكن جسدي كان ساكنًا تمامًا، وكل محاولاتي للحركة ذهبت سُدًى. كنتُ ما زلتُ أرتدي ملابسي المدنية العادية؛ سروالَ الجينز وقميصاً قطنيًّا، وهي تزيد من شعوري بالهشاشة واللاجدوى في هذا المكان الغريب. لم تكن البرودة مجرد إحساسٍ بالطقس من حولي، بل شعورًا بالانفصال التام، كأنّ هذا الجليد الأزرق لا يَنْخُرُ عظامي فحسب، بل يُجَمِّدُ تدفُّق الأفكار داخل عقلي . شيءٌ ما كان يُقَيِّدُني، والأسوأ أنني لم أكن متأكدًا لِلَحْظَتِها إن كان ما يشُلُّني قوةً خارجية... أم خوفًا بدأ يستيقظ داخلي . نظرتُ إلى يديَّ فرأيتُ سلاسلَ، ولكنها ليست سلاسلَ حديديةً كالتي نعرفها، بل أطواقٌ شفافةٌ من نور، تُحيطُ بِمِعْصَمَيَّ وكاحِلَيَّ. لم تَكُنْ مؤلمةً، ولم تَكُنْ خانقةً، لكنها سلبتني إرادتي تمامًا . رَفَعْتُ رأسي أتفقد المكان، ف...

الْيَوْمُ الْأَوَّلُ: صَدْمَةُ الْقَادِمِ مِنَ الْفَضَاءِ

Image
  لطالما أقنعتُ نفسي أننا وحدنا في هذا الكون الفسيح. نعيشُ على كوكبٍ صغير يدور حول نجمٍ عادي، في طرفٍ شبه منسي من مجرةٍ هائلة. لا رسائل من السماء، ولا حضارات بعيدة، ولا عيون تراقبنا من وراء النجوم. هكذا ظننت. لكن ماذا لو كان البشر يشبهون أسراب النمل أكثر مما يتخيلون؟ تعيش مستغرقةً في شؤونها الصغيرة، بينما يراقبها شيءٌ أقدم منها بكثير، ويفهم عنها ما لا تفهمه هي عن نفسها. قد تبدو لك هذه بداية قصة خيال علمي، وأتمنى لو كانت كذلك، لكنني أكتب هذه السطور من مكانٍ لم يذهب إليه إنسان قبلي. ولكن في البداية، يجب أن أخبرك أنّ هذه المذكرات ليست عن سفنٍ تلمع في السماء أو حروبٍ كونية أسطورية؛ بل عن لقاءٍ واحد. لقاء غريب جمعني بكائن جاء من وراء النجوم... واختار، من بين كل بقاع الأرض، أنْ يهبط في واحدةٍ مما نسميها " الدول الإسلامية الحديثة ".  ولا أعرف إن كان ذلك سوء حظه... أم سوء حظي أنا. ففي تلك البلاد، يتجادل الناس حول كل شيء: شكل الحجاب، حدود الحرية، حقوق المرأة، أحكام الشريعة، والدولة. كل شخص هنا يملك رأيًا خاصًا به، لكن قلة قليلة فقط تملك يقينًا حقيقيًا بما تدافع عنه. أمّا الأ...