Posts

الْيَوْمُ الرَّابِعُ: فَخُّ الزَّمَنِ

Image
"لماذا تُؤمن بإمكانية السفر عبر الزمن وكأنها حقيقة لا مِراء فيها؟ هل جرَّبته بنفسك من قبل؟" ظلَّ السؤال معلقًا بيننا. لم يكن سؤالًا عن الفيزياء، ولا عن التكنولوجيا، كان سؤالًا عن شيءٍ أخطر؛ عن المصدر الذي أستمدُّ منه يقيني.  شعرتُ وكأنّ جدارًا خفيًا بدأ يتشقق داخل رأسي، وأحسستُ أن أفكاري قد تبعثرت دفعةً واحدةً. لم تكُن تلك مجرَّد أسئلةٍ، بل كانت زلزالًا يضرب ثوابتي، يقيني، وكل ما نشأتُ أعتبره بَديهِيًّا. لم أشعر أنني أُواجِه خصمًا؛ بل مرآةً تعكس تناقضاتي وهروبي من مواجهة ذاتي. لكن... أليس هو نفسه الذي مجَّد العقل قبل لحظاتٍ؟ أليس هو من ألحَّ عليَّ بألا أترك لِسِواي مفاتيح عقلي؟ أغمضتُ عينيَّ لأستجمع قُواي في صمتٍ، أخذتُ شهيقًا عميقًا... زفيرًا بطيئًا، ثم فتحتُ عينيَّ وحَدَّقتُ فيه بثباتٍ: "نعم. أُؤمن بإمكانية السفر عبر الزمن... ولو نظريًا." صدر منه صوتٌ خافتٌ يُشبه صرير المفصل الذي نسمعه عند فتح بابٍ عتيق، شيءٌ بين الضحكة والتنهد، لكنه استعاد توازنه سريعًا. أكملتُ بهدوءٍ وقد ازدادت ثقتي من ردّة فِعله: "صحيح أنني لم أجربه، لكن ألسنا نؤمن يوميًا...

الْيَوْمُ الثَّالِثُ: مَنْ يُفَكِّرُ دَاْخِلَ رَأْسِي؟

Image
  منذ أنْ غادرني ذلك الكائن الغامض، وسؤاله الأخير يَطِنُّ في أُذُني كَجَرَسٍ لا يكفُّ عن الرنين:  هل نحن فعلًا نَفْصِلُ الدين عن الدولة لأنّ الإسلام يأمر بذلك؟ أم أننا نُكَرِّرُ ما زرعه فينا الاستعمار وأقنعنا أنه "الحقيقة"؟ حاولتُ أنْ أطرد السؤال، ففشلتُ. حاولتُ أنْ أنام، ففشلتُ أيضًا. كلما أغلقتُ عينيَّ رأيتُ وجهي وأنا أجيب بثقة : " الدين لله والسياسة للناس . " ثم أسمع صوته من جديد : " كيف يُنَظِّمُ دينكم طريقة دخول الحمّام... ويترك طريقة إدارة المجتمع؟ " كنتُ أكره السؤال، وربما لهذا السبب لم أستطع التوقف عن التفكير فيه. وبينما أنا غارقٌ في دَوَّامة التفكير، انْبَثَقَ أمامي كائنٌ آخر وكأنه انْشَقَّ من الفراغ؛ لا صوت، لا ضوء، لا باب يُفتح. في لحظةٍ كانت الزنزانة فارغة، وفي اللحظة التالية كان يقف أمامي . انتفضتُ من مكاني، وتأملتُ ملامحه؛ بدا أشبه بالبروفيسور ولكن أصغر سنًا بعدة سنوات.  ( البروفيسور هو اللقب الذي أطلقته فيما بعد على الكائن الذي ظلَّ يستجوبني لشهورٍ عديدة، لديّ أسبابي التي ستعرفها حتمًا، ولكن في الوقت المناسب.) كان أقصر قليل...