الْيَوْمُ الثَّانِي عَشَرَ: الْغُرْفَةُ الَّتِي بَدَأَ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ
خَفَتَ ضوءُ الحُجرة، وتلاشَت النجوم. جدرانٌ طينيَّةٌ مُنخفضةٌ أحاطت بي، وسقفٌ من جريد النخل. هواءٌ يعبق برائحة العرق وخشب الصندل، وبشيءٍ أعمق: قوَّة الإرادة. جلستُ في زاوية غرفةٍ صغيرةٍ لا تكاد تَسع غير بضعة أجسادٍ، لكنها كانت تنبض بالحياة. شبابٌ، بعضهم لم يظهر بعدُ على وجوههم شَعر اللِّحى، التفُّوا حول رجلٍ ساكنٍ، تُحيطه المَهابة. عيونهم تتلألأ، لا بالخوف... بل بشرر اليقين. كان النبيُّ ﷺ جالسًا بينهم؛ لا راياتِ، لا جيوشَ، ولا ذهبَ، فقط كلماتٌ، لكنها لم تكن مجرد كلماتٍ عابرةٍ. كنتُ أشعر بها تستقرُّ في الوجوه… كأنها تُعيد تشكيل أصحابها من الداخل. لم يكونوا جميعًا بهذا الهدوء والثبات الذي تصوَّرتهم به من كتب السيرة؛ أحدهم كان يُحرِّك قدمه بعصبيةٍ، وآخر يُخفي ارتجافة يده كلما سُمِع صوتٌ خارج الغرفة. كانوا بشرًا… خائفين، لكنهم بقوا رغم كل هذا. ما أصلبهم! أحسست أنّ هذا أروع مثالٍ لمقولة: "الشجاعة ليست غياب الخوف، بل المضي قُدمًا رغم وجوده." قال الفضائي بصوتٍ خافتٍ، خشية أنْ يقطع المشهد: "هذه دار الأرقم." ثم ابتسم وأضاف: "هنا وُلِدَت الثورة....