الْيَوْمُ الْأَوَّلُ: صَدْمَةُ الْقَادِمِ مِنَ الْفَضَاءِ

 

رواية قبو الاستجواب

لطالما أقنعتُ نفسي أننا وحدنا في هذا الكون الفسيح. نعيشُ على كوكبٍ صغير يدور حول نجمٍ عادي، في طرفٍ شبه منسي من مجرةٍ هائلة. لا رسائل من السماء، ولا حضارات بعيدة، ولا عيون تراقبنا من وراء النجوم. هكذا ظننت.

لكن ماذا لو كان البشر يشبهون أسراب النمل أكثر مما يتخيلون؟ تعيش مستغرقةً في شؤونها الصغيرة، بينما يراقبها شيءٌ أقدم منها بكثير، ويفهم عنها ما لا تفهمه هي عن نفسها.

قد تبدو لك هذه بداية قصة خيال علمي، وأتمنى لو كانت كذلك، لكنني أكتب هذه السطور من مكانٍ لم يذهب إليه إنسان قبلي. ولكن في البداية، يجب أن أخبرك أنّ هذه المذكرات ليست عن سفنٍ تلمع في السماء أو حروبٍ كونية أسطورية؛ بل عن لقاءٍ واحد. لقاء غريب جمعني بكائن جاء من وراء النجوم... واختار، من بين كل بقاع الأرض، أنْ يهبط في واحدةٍ مما نسميها "الدول الإسلامية الحديثة". 

ولا أعرف إن كان ذلك سوء حظه... أم سوء حظي أنا.

ففي تلك البلاد، يتجادل الناس حول كل شيء: شكل الحجاب، حدود الحرية، حقوق المرأة، أحكام الشريعة، والدولة. كل شخص هنا يملك رأيًا خاصًا به، لكن قلة قليلة فقط تملك يقينًا حقيقيًا بما تدافع عنه. أمّا الأغلبية فينا... فكنا نكرر عباراتٍ سمعناها كثيرًا حتى بدت لنا وكأنها حقائق لا مراء فيها.

لم يأتِ ذلك الكائن ليعلن حربًا، ولم يأتِ ليطلب موارد الأرض أو أسرارها العسكرية؛ جاء ليسأل: كيف نعيش؟ كيف نفكر؟ كيف نعبد؟ وكيف نحكم أنفسنا؟ 

وكان السؤال الأخير هو محور قصتنا هذه. سؤال واحد غيّر مجرى حياتي إلى الأبد. 

وبضربة قدر عجيبة، كنتُ أنا أول من التقى به.

لم تظهر أضواء في السماء، ولم تنشق الأرض، ولم تقع معجزة تستحق أن يجعل منها المؤثّرون مادة لمحتواهم. كل ما حدث أنّ رجلًا غريبًا اقترب مني بهدوء شديد كضبابٍ يتسلَّل من شَقٍّ في الجدار. كانت ملامحه بشرية إلى حدٍّ يثير القلق. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، ومطمئنًا أكثر مما ينبغي، حتى ابتسامته بدت وكأنها منحوتة على وجهه بعناية.

أتذكر أنّ شعورًا غريبًا مرّ داخلي لحظتها؛ شعورًا يقول إنّ هذا الرجل يفهم الطمأنينة... لكنه لا يشعر بها. وفيما بعد أدركت أنّ حدسي لم يكن مخطئًا.

قال لي وهو يبتسم ابتسامة سمجة ذكّرتني بذلك الطبيب الذي أخبرني بموعد الجراحة:

"عفوًا... لقد لاحظت شيئًا في تصرفاتك لم أستطع استيعابه. هل بإمكانك مساعدتي على فهمه؟"

أجبتُه بحذر امتزج فيه الفضول بالرّيبة:

"بالطبع."

قال وهو ينظر في عيني بثبات:

"رأيتك تدخل دورة المياه في المسجد بقدمك اليُسرى وتخرج باليُمنى. لكن حين دخلت المسجد نفسه، عكستَ الترتيب. فلماذا فعلت هذا؟"

رمشتُ مرتين. من بين كل الأسئلة الممكنة... هذا ما اختاره؟ بدا السؤال سخيفًا لي... لكن طريقته في النظر إلـيَّ جعلتني أشعر وكأنّ مصيري كله يتوقف على الإجابة. 

أخذت نفسًا عميقًا وكأنني على وشك إلقاء محاضرةٍ، ثم قلتُ له بهدوء:

"هذا من تعاليم الإسلام. دِين كامل يُنظِّم حياتنا من أدق تفاصيلها إلى أجلّها. من دخول الخلاء، وآداب النوم والطعام واللباس، إلى علاقتنا ببعضنا البعض، وبالبيئة من حولنا."

أمال رأسه بحركة دقيقة تُثير الرِّيبة، ثم قال:

"إذا كان الإسلام يُنظِّم كل هذه الجزئيات... فلا شك أنه يُنظِّم السياسة أيضًا. أليس كذلك؟"

قالها ببساطة شديدة، كأنّها لا تحتاج إلى تفكيرٍ طويل... بل إلى قدرٍ بسيط من الصدق.

شعرتُ بشيءٍ من الارتياح؛ كان الحديث عن تفاصيل الدين سهلًا بالنسبة لي، ميدانًا مألوفًا أعرف تضاريسه جيدًا، فقلت بسرعة:

"ليس تمامًا. السياسة أكثر تعقيدًا. أما الدين فهو جانب روحي وأخلاقي بالأساس؛ يعطينا قيمًا عامة... ثم يترك للناس تدبير شؤونهم."

كنت أتكلم بثقة، لكن شيئًا ما في داخلي كان يشعر أنني أكرر كلماتٍ سمعتها أكثر مما فكرتُ فيها. 

ولكي أهرب من السؤال، بدأت أتحدث عن أمورٍ أخرى: الأدعية، والسنن، والآداب اليومية. كل التفاصيل التي أعرفها جيدًا وأحفظها عن ظهر قلب، كنت أظن أنني أُبهره بكل هذه المعلومات الدقيقة.

ظلّ يستمع باهتمام، ثم همس كأنه يُحدِّث نفسه:

"غزو هذا الكوكب لن يكون سهلًا إذا كان يُدار بهذا القدر من النظام."

ضحكتُ، أما هو فلم يُعرني انتباهًا، ثم عادت نظراته الحادة إلـيَّ فجأة:

"وماذا عن الحُكم فعلًا؟ مَن يحكُمكم؟ أليس الإسلام جزءًا من ذلك أيضًا؟"

تجمّد لساني لحظة، ثم انطلقت الكلمات كمن يُردِّد ما لقَّنه إياه المجتمع دون وعي منه:

"الدين لله... والسياسة للناس. لا علاقة بينهما."

وحين قلتها، شعرت براحة غريبة... الراحة نفسها التي يشعر بها الإنسان حين يُنهي نقاشًا لا يريد التفكير فيه. 

حدَّق فيَّ طويلًا قبل أن يقول بهدوء لا يخلُو من السخرية:

"غريب... أليست إدارة شؤون المجتمع أهم من دخول الحمّام والخروج منه؟ كيف يُغطي الإسلام التفاصيل وينسى الأساس؟"

لم أجد جوابًا جاهزًا هذه المرة. ولأول مرة منذ بداية الحديث، شعرتُ أنّ السؤال لم يكن موجهًا إلى عقلي... بل إلى شيء أعمق أحاول حمايته منذ سنوات. 

رغم ذلك، ابتسمتُ ابتسامة مُتوَتِّرة، وأجبتُ:

"المهم أن نُصلي ونصوم ونحُج. الدين... مكانه القلب."

قلتُها بثقة مَن استخدمها آلاف المرات قبل ذلك، إلا أنّ هذه المرة لم أشعر بأيّ معنى حقيقي خلف هذه الكلمات. 

عندها رسم على وجهه ابتسامة بطيئة، غير إنسانية على الإطلاق، ثم قال بصوتٍ خافت:

"إذن... لا مانع عندكم أنْ يحكُمكم فضائيون... ما داموا يتركون لكم صلاتكم وصيامكم؟"

حدّقتُ فيه محاولًا فهم إن كان يمزح أم يتحدث بجدّية، لكني لم أستشف شيئًا من ملامحه الجامدة. 

ضحكتُ ضحكة قصيرة، مُرتبكة، وقلتُ بلا تفكير:

"إذا كان الحاكم مُتغلِّبًا... فلا بأس. لا أعتقد أنّ الأمر يُمثّل مشكلة شرعية."

وفي اللحظة التالية... تغير كل شيء.

أطلق صرخة هائلة. لم تكن صرخة غضب، ولا صرخة ألم، بل صرخة رعب. اهتز لها الهواء، وصمتت من قوتها الطيور، وشعرتُ لوهلة أنّ العالم نفسه توقف عن الحركة. وحتى اليوم... ما زلت أسمع صداها أحيانًا في ذاكرتي.

ثم انطفأ كل شيء.

وحين فتحتُ عينيَّ مجددًا، كنتُ هنا... في هذه الزنزانة المعدنية، على كوكبٍ ليس كوكبي. وهناك، في أول استجواب لي، سمعتُ العبارة التي لم أنسَها قط:

"أنت أخطر أنواع البشر..."

توقف الصوت قليلًا ثم تابع:

"لأنك رفضت القتال."

ولم أفهم يومها كيف يمكن أن يكون السلام تهمة... إلا بعد أن رأيتُ ماذا يحدث للحضارات التي تتخلى طوعًا عن حقّها في الدفاع عمّا تؤمن به.

رابط الرواية على أمازون 

Comments

Popular posts from this blog

سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (31): أهداف الإسلام من إباحة القتال

Revelation in Motion (24): The Challenge of Truth – A Book Unlike Any Other

Allah ﷻ in Islam: A Quran-Centric Approach (6) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ