الْيَوْمُ الثَّانِي: الِاتِّهَامُ
اسْتَيْقَظْتُ على برودةٍ تَنْخُرُ عظامي، كأنني سقطتُ في بِئْرٍ من جليدٍ أزرق. لا أتحدث عن بردٍ عادي، بل عن ذلك النوع من البرد الذي يجعلك تشكُّ لِلَحْظَةٍ أنّ الدم ما زال يجري في عروقك.
فتحتُ عينيَّ بصعوبة؛ كان رأسي مُثْقَلًا، وأفكاري عالقةً في منطقةٍ ضبابيةٍ بين الحلم واليقظة، لكن جسدي كان ساكنًا تمامًا، وكل محاولاتي للحركة ذهبت سُدًى. كنتُ ما زلتُ أرتدي ملابسي المدنية العادية؛ سروالَ الجينز وقميصاً قطنيًّا، وهي تزيد من شعوري بالهشاشة واللاجدوى في هذا المكان الغريب. لم تكن البرودة مجرد إحساسٍ بالطقس من حولي، بل شعورًا بالانفصال التام، كأنّ هذا الجليد الأزرق لا يَنْخُرُ عظامي فحسب، بل يُجَمِّدُ تدفُّق الأفكار داخل عقلي.
شيءٌ ما كان يُقَيِّدُني، والأسوأ أنني لم أكن متأكدًا لِلَحْظَتِها إن كان ما يشُلُّني قوةً خارجية... أم خوفًا بدأ يستيقظ داخلي.
نظرتُ إلى يديَّ فرأيتُ سلاسلَ، ولكنها ليست سلاسلَ حديديةً كالتي نعرفها، بل أطواقٌ شفافةٌ من نور، تُحيطُ بِمِعْصَمَيَّ وكاحِلَيَّ. لم تَكُنْ مؤلمةً، ولم تَكُنْ خانقةً، لكنها سلبتني إرادتي تمامًا.
رَفَعْتُ رأسي أتفقد المكان، فرأيتُ جدرانًا ملساء بلا زوايا. كان المكان كله يَضُجُّ بومِيضٍ أزرق يَنْبِضُ كأنه كائنٌ حيٌّ يُراقبني؛ لا أبواب، ولا نوافذ، ولا أثر لأي مَخْرج. شعرتُ أنني داخل مِعْدَةٍ عِملاقةٍ تبتلعني ببطء.
وفجأة... ظهر المقعد. لم يدخل من بابٍ، ولم يَهْبِطْ من سقفٍ، بل انْبَثَقَ من العدم كأنّ المكان كان ينتظر اللحظة المناسبة ليكشف عنه، وفوقه جلس كائنٌ لم أره من قبل. كان أكثر طولًا من الفضائي الذي قابلتُه أول مرة، وأكثر نحافة، أمّا ملامحه فكانت أكثر حِدَّةً كأنها نُحِتَتْ بسِكِّين. نظرتُ إلى عينيه فرأيتُهما تشتعلان بضوءٍ أخضر حتى بَدَتَا كمصباحين يفتشان في كل زاويةٍ مظلمةٍ داخل عقلي.
لكن أكثر ما أثار قلقي لم يكن شكله، بل انضباطه؛ فكل حركاته كانت محسوبةً بدقة، وكل التفاتةٍ منه بَدَتْ وكأنها لغرضٍ ما، حتى سكونه بدا وكأنه خضع لتدريبٍ طويل، كأنّ الفوضى ليست مكروهةً في عالمه فحسب... بل مُحَرَّمَةٌ.
ورغم ذلك... كان هناك شيءٌ آخر؛ شيءٌ لم أفهمه وقتها. خلف ذلك الانضباط الصارم كان يختبئ إرهاقٌ قديم؛ إرهاقُ شخصٍ ظلّ يطارد سؤالًا واحدًا زمنًا أطول مما ينبغي.
لم يكن يرتدي شيئًا يمكن تسميته لباسًا، بل كان جسده شبه الشفاف تَلُفُّهُ هالةٌ سوداء صامتة، كأنها امتصاصٌ للضوء من حوله. كانت حركته الوحيدة هي التحديق العميق، بلا رمشةٍ، وكأنّ عينيه الخضراوين هما شاشتا عرضٍ تعكسان حقيقة تناقضاتي دون حاجةٍ لكلمات. في جبهته العريضة، كان يظهر خطان أفقيّان خفيفان، كأنّ التفكير الطويل ترك على وجهه أثرًا لا يزول. لم يَكُنْ ينظر إلَيَّ، بل ينظر داخلي، كأنه يقرأ أفكاري قبل أنْ أَنْطِقَ بها.
قال بصوتٍ هادئ:
"أنت هنا لأنك تُمَثِّلُ معضلة."
تردد صدى الجملة داخل الغرفة، قبل أنْ يضيف:
"تناقضًا لا يمكن تجاهله."
أشار بيده، فانبعث أمامي هولوغرام يعرض لقائي مع الفضائي الأول. رأيتُ نفسي أتكلم بحماسٍ عن شمولية الإسلام، وعن كيف أنه يتدخل حتى في التفاصيل الصغيرة لحياة الإنسان، ثم... اللحظة التي تمنيتُ لو أنّ الأرض انْشَقَّتْ وابتلعتني قبلها؛ سؤاله:
"هل يحكُمكم الإسلام؟"
وإجابتي المُرتبكة:
"لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين."
جَمَّدَ الصورة عند تلك اللحظة، ثم التفتَ إلَيَّ بعينين لا ترحمان:
"أَمَا زلتَ تتمسك بهذا الجواب؟"
ولأول مرة، بدا لي الجواب الذي كَرَّرْتُهُ طوال سنوات عمري هشًّا بصورةٍ مُهينة. جَفَّ حلقي، وحاولتُ أنْ أبدو ثابتًا فقلتُ:
"أنا لستُ عالِمًا شرعيًا، قلتُ فقط ما تَعَلَّمْتُهُ. هذا ما يردده الجميع تقريبًا؛ الأئمة، والأساتذة، والبرامج الدينية… حتى بعض الذين يبدون متدينين جدًا."
ظلّ صامتًا مدةً طويلةً، حتى بدأتُ أشعر أنّ الصمت نفسه جزءٌ من الاستجواب، وأخيرًا قال:
"إذن فالمشكلة أعمق مما ظننت. حين تكرر أمةٌ فكرةً ما زمنًا طويلًا... تتحول القناعة إلى صدى يتردد من جيلٍ إلى جيل، ويصبح من الصعب معرفة أين ينتهي التفكير... وأين يبدأ التلقين."
ثم ابتسم ابتسامةً باردةً، كأنها سِكِّينٌ حادٌّ يقطع بهدوء وقال:
"إذن فقد علّموك أنْ تَفْصِلَ بين دينك وحياتك؟"
ثم مال بجسده إلى الأمام، وعيناه تخترقاني:
"دينك -كما تقول- يُخبرك أيَّ يدٍ تستخدم عند الأكل، وأيَّ قدمٍ تدخل بها مكانك المُقَدَّس، وأيَّ جانبٍ تضطجع عليه في فراشك."
ساد صمتٌ قصير، بدا وكأنّه مقصودٌ، قبل أنْ يتابع:
"لكن حين وصلنا إلى أهم ما يُنَظِّمُ حياة البشر... الحُكْمِ، القانونِ، العدلِ... دفعتَ الدين بعيدًا. أَهذا انسجامٌ؟ أم تناقضٌ؟"
أحسستُ بوجهي يشتعل. تلعثمتُ، ولكني قلتُ بسرعة:
"الأمر أعقد من ذلك بكثير. السياسة تتعامل مع واقعٍ متغَيِّر، بينما الدين ثابت. نحن نعيش في دولٍ حديثة؛ لدينا مؤسساتٌ، ودساتيرُ، وقوانينُ معقدة. خلط السياسة بالدين يُحَوِّلُ المقدس إلى أداة صراع، وحين يحدث ذلك… لا تخسر السياسة فقط، بل يخسر الدين قدسيته أيضًا."
كنتُ أتحدث بثقة، لكن شيئًا في داخلي كان يراقبني بصمت؛ شيءٌ ظلّ يسألني:
"هل تؤمن حقًا بكل ما تقول؟"
ظهرت على شفتيه ابتسامةٌ شبه ساخرة:
"وهل يمكن فصل الروح عن الجسد؟ هل يستطيع مجتمعٌ أنْ يعيش بعقلين متناقضين دون أنْ يتمزق؟ وهل حَميتم الدين فعلًا؟ أم أنكم حوّلتموه إلى طقوسٍ خاصة… بينما تُركت السلطة لمن لا يؤمن بأي قداسةٍ أصلًا؟ من هنا يبدو لنا أنكم قد بدَّلتم دينكم بملابس مَوْسِمِيَّة؛ ترتدونها حين تُناسبكم... وتخلعونها حين تُثْقِلُ عليكم."
شعرتُ للحظةٍ أن حديثه قد تجاوز الدين والسياسة معًا... ليصبح حديثًا عن الإنسان. اختنقت الكلماتُ في حلقي، وشعرتُ لأول مرة أنني لا أُدافع عن نفسي فقط، بل عن أُمَّةٍ كاملةٍ ورثت هذا التناقض دون أنْ تُفكر فيه.
استند إلى المقعد قليلًا، ثم تابع وهو يُشيح بوجهه عني. بدا وكأنه يتحدث إلى الفراغ، ولكني لمحتُ في عينيه شيئًا يشبه الألم:
"على كوكبنا، التناقض جريمة."
لا أعرف لماذا ارتجفتُ عند سماعها؛ ربما لأنّ الطريقة التي قالها بها لم تشبه تهديدًا... بل ذكريات.
تابع قائلًا:
"حين تزعم منظومةٌ أنها كاملة، ثم تُفَرِّغُ نفسها من جوهرها... نُحَقِّق، نَسْتَجْوِبُ، ونظل نبحث حتى نفهم أين بدأ الانهيار وظهر التناقض."
لأول مرة شعرتُ أنّ هذا التحقيق ليس فضولًا أكاديميًا، ولا تمرينًا فكريًا؛ كان شخصيًا أكثر مما ينبغي، كأنّ شيئًا ما قد تحطم في عالمه بسبب هذا النوع من التناقض. سمعته يُكمل بصوتٍ بدا لي حزينًا:
"أنتم تقولون إنّ الإسلام شامل، ثم تعيشونه مُجْتَزَأً. هذه ليست عقيدة، هذا خوفٌ مُتَنَكِّرٌ في هيئة تقليد."
أحسستُ بصدري يضيق، لكنني استجمعتُ شجاعتي وسألتُه بهدوءٍ مفتعَل:
"وماذا ستفعلون بي؟ هل سأبقى هنا إلى الأبد؟"
أجاب فورًا ولكن بنبرةٍ باردة:
"لسنا طُغَاةً، نحن نحتكِم إلى المنطق، ولذا سنمنحك فرصة."
قاطعته بنفاد صبرٍ:
"فرصة لماذا؟"
رفع يده فتغيرت الجدران من حولنا، وامتلأت بصورٍ متداخلة: صحراء، مدن، معارك، مساجد، وجوه لا أعرفها، وتواريخ لا أفهمها.
قال:
"سنأخذك في رحلة عبر تاريخكم الإسلامي."
ثم نظر إلَيَّ مباشرة:
"وسنرى معًا؛ هل كان دينكم منذ بدايته مجرد تجربةٍ روحية؟ أم أنكم أعدتم تفسيره لاحقًا ليوافق ما أصبحتم عليه؟"
بلعتُ ريقي بصعوبة، وسألته وأنا أرتعب من الجواب:
"وإذا فشلتُ؟"
لم يرمُش، ولم يتردَّد، بل أجاب كمن يتوقع السؤال:
"عندها سنعتبر أنّ أفكاركم غير متماسكة، وأنّ حضارتكم قد فقدت الأساس الذي قامت عليه. وعندها... سيكون استعماركم واجبًا أخلاقيًا."
شيءٌ ما في هذه العِبارة أعاد إلى ذهني خطابات البشر القديمة؛ كل إمبراطوريةٍ كانت تجد دائمًا سببًا نبيلًا لتبرير سيطرتها. ومع ذلك... لم أشعر أنه يكذب، ولا أنه يهدد، بل بدا كمن يخشى نتيجة التحقيق أكثر مني. لم أَدْرِ وقتها لماذا، ولكن تملكني شعورٌ قوي بأنه كان يتحدث عن حضارته التي دفعت ثمنًا مرعبًا بسبب هذا النوع من التناقض.
رُغْمَ ذلك، شعرتُ بأنّ الدم يتجمد في عروقي؛ لم يعد الأمر مناظرة فكرية، ولم أعد أدافع عن نفسي وحدي. كل مسجد، كل كتاب، كل خطيبٍ تهرّب من السؤال أو التفَّ حول السياسة خوفًا من تبعاتها، كل طالبٍ تلقى الإجابات دون أنْ يسأل عنها... كان يقف معي داخل تلك القاعة. الجميع صار حاضرًا في قاعة محكمةٍ كونية، وأنا... كنت الشاهد والخصم في آنٍ واحد. شعرتُ كأنّ مليارات العيون تقف خلف ظهري، تنتظر مني جوابًا لا أملكه.
أخذتُ نفسًا عميقًا، ثم قلتُ:
"إذن..."
ورغم الارتجاف الذي شعرت به، خرج صوتي ثابتًا:
"فلنبدأ الرحلة."
اختفى الفضائي بعد ذلك مباشرةً، وعاد الضوء الأزرق يملأ الغرفة، وبقيتُ وحدي. وللمرة الأولى منذ اختطافي، لم أَعُدْ أخشى ما قد يفعلونه بي... بل احتمال أنْ يكونوا على حق .
رابط الرواية على أمازون

Comments
Post a Comment