الْيَوْمُ السَّابِعُ: حِينَ فَهِمَتْ قُرَيْشٌ مَا لَمْ نَفْهَمْهُ

 

رواية قبو الاستجواب

وقف الفضائي صامتًا يُراقبني دون أنْ ينطق بكلمةٍ، كأنه يزنُ استعدادي لتحمُّل المزيد من صدمات الحقائق. ثم فتح أمامي هولوغرامًا، فإذا بنا في ليل مكةَ وسط جَمعٍ من سادة قُريشٍ؛ عباءاتٌ ثقيلةٌ، وجوهٌ مُتجهِّمةٌ، وهدوءٌ يُخيِّم على المكان.

شابٌّ مُضيءٌ بضياء القمر يقف في مُواجهتهم: رسول الله ﷺ.

تحرَّك المشهد أمامنا فجأةً كأنَّ الحياة قد سَرَت فيه، حتى إنني مددتُ يدي نحوه دون شعورٍ، أكاد ألمسه، قبل أنْ يشدَّني صوت النبي ﷺ وهو يُخاطب عمَّه أبا طالبٍ:

"إني أُريد منهم كلمةً واحدةً تَدينُ لهم بها العربُ، وتُؤدّي إليهم العَجَمُ الجِزية."

قال:

"كلمةً واحدةً؟"

قال:

"‏كلمةً واحدةً‏."

ساد الصمتُ؛ ثقيلٌ كالحجارة. أوقف الفضائي المشهد، ثم التفت إلَيَّ:

"كلمةً واحدةً؟ ثم يأتي بعدها مُلكٌ وسُلطانٌ وخضوع الأمم؟ أيُّ كلمةٍ هذه؟"

ابتلعتُ ريقي وأجبتُ بصوتٍ يكاد لا يُسمع:

"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ."

هزَّ الفضائي رأسه:

"إعلانٌ روحيٌّ... بآثارٍ سياسيةٍ كونيةٍ."

قلتُ بسرعةٍ وكأنني أحاول التشبث بشيءٍ:

"لكن وجود آثارٍ سياسيةٍ للدين… لا يعني أنّ غايته الأساسية كانت السلطة."

أشار إلى قريشٍ:

"أعداؤه فهموا منذ اللحظة الأولى أنّ التوحيد سيُعيد توزيع القوة في المجتمع."

شعرتُ بعدم ارتياحٍ؛ لم أكن أخشى كلمة "الحكم" بقدر ما أخشى أنْ تضيع الروح وسط الحديث عنه. 

أعاد تشغيل الهولوغرام، فرأيت رؤساء قريشٍ يتبادلون النظرات القلقة، وكان أول مَنْ تكلَّم أبو جهلٍ بصوته الأجشّ المُتصلِّب:

"أجَعَلَ الآلهة إلهًا واحدًا؟ إنّ هذا لشيءٌ عُجابٌ."

لمس الفضائي المشهد فجأةً، فتجمّد أبو جهلٍ في مكانه، ثم انقسم جسده إلى عشرات الخيوط الضوئية، كلُّ خيطٍ امتدّ نحو شيءٍ مختلفٍ؛ أحدها إلى صنمٍ، وآخر إلى قافلةٍ تجاريةٍ، وثالثٌ إلى مجلسٍ قبليٍّ، ورابعٌ إلى رجلٍ فقيرٍ يقبّل يد سيده، وخامسٌ إلى مفتاح الكعبة. ثم ظهر فوق كل خيطٍ كلمات بحروف متوهجة: نفوذٌ، تجارةٌ، نسبٌ، طاعةٌ، سلطةٌ.

وفجأةً ظهرت عبارة: "لا إله إلا الله"، فقُطعت الخيوط كلها دفعةً واحدةً، ارتجف المشهد، وتبعثرت الكلمات، وسقطت الأصنام.

عندها فقط سمعتُ الفضائي يهمس:

"لهذا خافوا."

تردَّدتُ مُحاولاً التمسُّك باحتمالٍ ضعيفٍ، رغم أنَّ قلبي بدأ في التصديق:

"ربما قصد النبي ﷺ الحُكم بمعناه المعنويّ... نُفوذًا واحترامًا. لكن تحويل الدين إلى مشروع حُكمٍ... هذا ما أخاف الناس دائمًا. صدقني فالبشر يُفسدون كلَّ شيءٍ حين يلمسونه بالسُّلطة... حتى الأفكار النبيلة."

ثم أكملتُ حينما لم يقاطعني:

"السلطة تُغري حتى الصالحين؛ تاريخنا مليءٌ بالحركات الإصلاحية التي انتهت بتبرير القمع باسم المصلحة العليا."

أجابني حينئذٍ بلا ترددٍ:

"ولهذا وُضعت الشريعة فوق الحاكم… لا الحاكم فوق الشريعة. مشكلتكم أنكم تتخيلون الحكم الإسلامي نسخةً مقدسةً من الاستبداد… بينما فكرته الأصلية كانت تقييد السلطة لا تأليهها."

ثم أضافَ بنبرةٍ حازمةٍ:

"ولكن خوفكم من فساد البشر جعلكم تقبلون فساد الأنظمة نفسها."

وقبل أنْ أسأله عن مصدر معلوماته تلك، رفع يده، فانبثق مشهدٌ آخر: النبيُّ ﷺ على دربٍ جبليٍّ، يُخاطب عمَّه أبا طالبٍ منفردًا، وعيناه تلمعان بتصميمٍ لا يلين:

"يا عمِّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أنْ أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أَهلِكَ فيه، ما تركتُه."

قال الفضائي بصوتٍ خافتٍ:

"هل تُقال مِثل هذه الكلمات دفاعًا عن استعارةٍ؟ أم عن رسالةٍ قُدِّرَ لها أنْ تحكُم العالم؟"

همستُ دون شعورٍ:

"إذا كان الأمر كما تقول… فالنبي ﷺ لم يكن يطلب حرية دعوةٍ فقط."

التفتَ إلَيَّ فوراً، وكأنّه كان ينتظر أنْ أصل لهذه النقطة تحديدًا:

" أصبتَ! كان يطلب حقّ إنشاء نظامٍ جديدٍ بالكامل."

تغيَّر المشهد مُجدَّدًا إلى خريطة الجزيرة العربية؛ مكة، المدينة... ثم يتَّسع الضوء كالنار في الهشيم عبر القوافل، والرسائل، والمُعاهدات، والغزوات.

قال الفضائي:

"تقولون إنّ الإسلام وُلِدَ روحانيًا، لكن منذ اللحظة الأولى عُرِضَ مشروطًا: قولوا هذه الكلمة... ويأتي الحُكم تبعًا لها."

ثم أخرج ميزانًا؛ وضع على كفَّته الأولى كلمة: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وعلى الأُخرى: الرماح، المُعاهدات، الأسواق، والكُتب الممهورة بأختام الملوك. شاهدتُ الكفَّتين وهما تتوازنان في البداية، ثم ببطءٍ شديدٍ، بدأت كفَّة كلمة التوحيد بالهبوط في عمق الميزان، بينما طاشت كفَّة ما سِواها إلى الأعلى.

وفجأةً لم أعد أرى رماحًا ولا معاهداتٍ، رأيتُ وجوهًا: أبا بكرٍ، وبلالًا، وعمر، وخالدًا، وصلاح الدين، وملايين آخرين لا أعرف أسماءهم، كانوا جميعًا يقفون داخل الكفة نفسها وأيديهم متشابكةٌ، وكأنّ كل شيءٍ خرج من هذه الكلمة ثم عاد إليها.

ولسببٍ لم أفهمه… شعرتُ بالخوف؛ كأنّ الكلمة التي ظللتُ أرددها طوال عمري بدأت تستعيد وزنها الحقيقي أمامي، وتذكرتُ الحديث:

".... فتوضَعُ السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ، والبطاقةُ في كفَّةٍ، فَطاشتِ السِّجلَّاتُ، وثَقُلَتِ البطاقةُ، فلا يثقُلُ معَ اسمِ اللَّهِ شيءٌ."

أفقتُ من شرودي لأجده يقول بصوتٍ بدا لي حزينًا:

"أنت تُؤمن بهذه الكلمة... لكنك قبلتَ بعالمٍ لا تقود فيه إلى شيءٍ؛ لا دولة، لا سُلطان، لا شريعة... مجرَّد شِعاراتٍ."

قلتُ مترددًا:

"لكن تحويل كلمة التوحيد إلى مشروعٍ سياسيٍّ فقط… يُفرغها من بعدها الإيماني."

أجابني بصوتٍ مملوءٍ بالغضب الممزوج بالحسرة:

"ومَنْ قال إنّ السياسة في الإسلام منفصلةٌ عن الإيمان أصلًا؟ أنتم ورثتم عالَمًا يفصل بين الروح والقانون… فظننتم أنّ كل حضارةٍ تفعل ذلك."

صمَتُّ؛ كان صمتًا موجعًا، يملؤه إحساسٌ بالخيانة لهذه الكلمة العظيمة، فواصلَ:

"أما نبيُّك ﷺ فلم يَعِدْكُم بشعاراتٍ، وعَدَكُم بسيادةٍ، إنْ أنتم سلَّمتُم الحُكم لله وحده، وهذا يعني أنَّ رسالته كانت منذ البدء رسالة حُكمٍ."

ترك كلماته تغوص في داخلي:

"قولوا كلمةً واحدةً... وستَدِينُ لكم الأرض كُلّها."

تقدَّم خطوةً نحو الضوء وأكملَ، واليوم... ثم أشار بيده، فتحركت الخريطة أمامي، فرأيتُ حدودًا تُرسَم في عواصم بعيدةٍ، وأسواقًا ترتجف مع قرارٍ لا يصدر من أهلها، وقوانين تُستورد كما تُستورد البضائع.

ثم سألني:

"أترى؟ ما زالت الأسماء كما هي... لكن مَنْ يملك القرار؟"

فهمتُ لحظتها معنى أنْ تحتفظ الأمّة بلغتها وصَلاتها وراياتها… ثم تفقد روحها دون أنْ تنتبه.

قلتُ بحذرٍ:

"لكن السيادة تُفسد الناس أحيانًا؛ الأمم حين تشعر أنها مختارةٌ قد تتحول إلى جلادٍ. انظر إلى عالمنا اليوم: مَنْ يظنون أنهم شعب الله المختار يعيثون في الأرض فسادًا."

ابتسم لأول مرةٍ ابتسامةً حقيقيةً، ثم قال بهدوءٍ:

"ولهذا ربط قرآنكم الخيرية بالأخلاق… لا بالقوة وحدها. هل تحفظ هذه الآية؟"

قالها بفضولٍ حقيقيٍّ لم أُعره اهتمامًا وقتها، فتلوتُ الآية الكريمة:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110)

بعدها سألته وأنا أنظر إلى الشاشة كي أتحاشى نظراته:

"أتقصد أننا فشلنا في فهم معنى كلمة التوحيد وما يترتَّب عليها؟"

نظر إلَيَّ بثباتٍ وقال:

"لا. بل أنكم اكتفيتم بالقليل، صغَّرتُم الكلمة... بعد أنْ جعلها نبيُّكم عظيمةً."

عندها ظهر المشهد الأخير: كلمة "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" تمتدُّ عبر السماء، امتدت الكلمة فوق السماء ثم بدأت حروف لفظ الجلالة تتحول؛ الألف صارت محرابًا، واللام الأولى صارت محكمةً، والأخرى تحولت إلى قافلةٍ تعبر الصحراء، والهاء أصبحت مدرسةً. ثم لحقت بها الحروف الأخرى فظهر سوقٌ، ثم جيشٌ يحرس مدينةً نائمةً، ثم رجلٌ يرفع مظلمةً عن يتيمٍ، ثم عادت الصور كلها لتذوب من جديدٍ داخل الكلمات نفسها، وكأنّ الحضارة كلها لم تكن سوى تفسيرٍ طويلٍ لجملةٍ واحدةٍ.

قلتُ بصوتٍ عالٍ دون أنْ أشعرَ:

"الآن فهمتُ لماذا خافت قريشٌ."

ثم همستُ لنفسي:

"المشكلة لم تكن يومًا في أنني أجهل معنى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"... بل أنني اعتدتُ سماعها حتى فقدت رهبتها. كنتُ أرددها كل يومٍ... دون أنْ أتوقع منها أنْ تُسقط صنمًا في داخلي، أو أنْ تُغيّر شيئًا في العالم من حولي."

رابط الرواية على أمازون. 


 


Comments

Popular posts from this blog

سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (31): أهداف الإسلام من إباحة القتال

Allah ﷻ in Islam: A Quran-Centric Approach (6) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

Revelation in Motion (24): The Challenge of Truth – A Book Unlike Any Other