الْيَوْمُ الْعَاشِرُ: الْحَرْبُ عَلَى الْعَدَالَةِ

 

رواية قبو الاستجواب

لم تنتهِ المُحاكاة بعدُ؛ النبيُّ ﷺ ما زال واقفًا على جبل الصفا، تغمره أشعة الشمس فتحوك له هالةً من النور، لكن المشهد تغيَّر كأنّ الزمن طوى نفسه.

تفرَّق الناس، وخيَّم على مكة همسٌ ثقيلٌ؛ رجالٌ يُسرعون إلى بيوتهم، أبوابٌ تُغلق بعُنفٍ، مجالس سريَّةٌ تنعقد، رقاعٌ تُكتب، ومؤامراتٌ تُحاك. كان الهواء يرتجف بوقع انهيار عالمٍ قديمٍ يتصدَّع. ومن الظلال، رأيتُ وجوه نُخبة قُريش؛ لم يكُن حديثهم عن أصنامٍ، بل عن كيفية إيقافه.

اخترق صوتُ الفضائي حواسي:

"لقد رأيتَ الآن، أما زلتَ تظنُّ أنّ قُريشاً رفضت الإسلام من أجل عقيدةٍ لاهوتية؟"

تردَّدتُ، فلفحُ الشمس من أثر المُحاكاة ما زال يحرق جلدي. قلتُ، وكأنني أتشبث بآخر قشةٍ من المنطق القديم:

"لكنهم كانوا وثنيين... والإسلام جاء ليُحطِّم آلهتهم، أليس هذا كافيًا؟"

ضحك بسُخريةٍ جافةٍ:

"كم صنمًا كان منتصبًا حول الكعبة؟"

"ثلاثمئة وستون"؛ أجبتُ بصوتٍ خافتٍ.

 "وتساهلت قُريشٌ مع جميعها، لم تشن حربًا من أجل اللات ولا العُزَّى ولا مَناة، فلماذا إذن أعلنوا الحرب على محمدٍ؟"

هممتُ بأنْ أقول له:

"ربما لأنَّ دعوته كانت الأوسع انتشارًا..." ثم توقفتُ؛ حتى أنا لم أقتنع بها تمامًا، فكلُّ تفسيرٍ كنتُ أعرفه بدا فجأة كأنه يتداعى بين يديّ، لذا آثرت الصمت هذه المرة.

اقترب أكثر وعيناه تضيقان، كأنه قد أحسّ بما يعتمل في داخلي:

"ولماذا لم يسحقوا المتنبئين الكذبة—الأسود العنسي، مُسَيلمة—قبل أنْ يُشكِّلوا تهديدًا؟ لماذا انتظروا؟"

تجمَّد السؤال في صدري، ولأول مرةٍ سمعتُ صوت يقيني يتصدَّع. فتحتُ فمي لأُجيب ثم توقَّفتُ؛ لم أكن أعرف في الحقيقة، كنتُ قد سمعتُ أسماءهم عشرات المرّات، لكنني لم أسأل نفسي قط: لماذا خافت قريشٌ من رجلٍ واحدٍ في مكة، ولم تخف من عشرات الدجّالين الذين ظهروا بعده؟

فأجاب عن سؤاله بهدوءٍ:

"لأن تلك الحركات لم تمسَّ سُلطان قريشٍ، لم تدعُ إلى عدالةٍ، ولم تقترب من هيكل القوَّة؛ كانت مُجرَّد ضوضاء روحية، أما الإسلام..."

لوَّح بيده فانحسر مجلس قريشٍ، وظهرت دار الأرقم؛ النبيُّ ﷺ وسط المستضعفين: بلالٍ، خبَّابٍ، وسميَّة... شبابٌ يبحثون عن نورٍ، وعاصفةٌ تتجمَّع.

وفجأةً توقف الزمن داخل دار الأرقم، ثم بدأت تظهر فوق رؤوس الحاضرين ألقابهم الاجتماعية: عبدٌ، سيدٌ، تاجرٌ، فقيرٌ، امرأةٌ، يتيمٌ... بدأت الكلمات بالدوران حولهم، وفجأةً أنارت السماء بعبارة "لا إله إلا الله"، فانفجرت الألقاب كلها وتحولت إلى غبارٍ بدأ في التساقط من كل مكانٍ. اختفت الألقاب وبقي الجميع بلا أوصافٍ؛ مجرد بشر.

اقترب الفضائي حتى وقف بمحاذاتي، ثم قال:

"هكذا رآهم الإسلام."

شعرتُ بانقباضٍ غريبٍ؛ كنتُ أُحبُّ الإسلام حين أتخيَّله صلاةً ودمعةً ودعاءً في جوف الليل، أمّا أنْ أراه قوةً تُعيد تشكيل المجتمع والتاريخ... فذلك شيءٌ لم أعتد النظر إليه من قبلُ.

شدَّد بعدها بنبرةٍ حاسمةٍ:

"منذ لحظة الجهر به، طالب الإسلام بتحوُّلٍ أخلاقيٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ كاملٍ."

قلتُ مُحتجًّا، وقد بدأتُ أشعر أنّ الحوار يدفعني إلى زاويةٍ لم أعتدها:

"لكن... أليس التوحيد عقيدةً دينيةً، وشعارًا إيمانيًا؟ فلماذا تصرُّ على جرِّه إلى السياسة؟"

ثبَّت نظره فيَّ وأجاب:

"التوحيد ليس تعويذةً خاصةً؛ حين تقول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ... فأنت لا تنفي الأصنام الحجرية فقط، بل تنزع القداسة عن كلِّ من ادَّعى حقَّ الطاعة المطلقة."

وأشار نحو المجلس حيث يتصبَّب زعماء قُريشٍ قلقًا:

"لقد فهموا هذا أفضل مما يفهمه معظم المسلمين اليوم."

آلمتني العبارة أكثر مما ينبغي، لأنّ جزءًا مني كان يشعر أنه قد يكون مُحقًا؛ ما الذي فهمه أبو جهل فور سماع الدعوة، ثم احتجنا نحن قرونًا لنختلف حوله؟

ازدحمت أنفاسي، فحاولتُ أنْ أجد مهربًا:

"لكن... ألا يمكن أنْ يظل الدين حبيس المسجد، والسياسة مقصورةً على الحُكم؟ أليس هذا أكثر أمانًا؟"

ظهر نورٌ فجأةً أغشى عيني، وظهرت شاشة كبيرة منتصف المحاكاة: في النصف الأول منها، رأيت مسجدًا فسيحاً غاية في الروعة والجمال، الناس يصلون ثم يخرجون، وبينما أتأمل زخارف المسجد ودقة تصميمها، فوجئت بشخصيات مختلفة تخترق المشهد: قاضٍ يأخذ رشوةً، تاجرٌ يغش في الميزان، وحاكمٌ يوقّع قرارًا ظالمًا.

نظرت إلى الجانب الآخر من الشاشة والذي كان معتمًا، فبدأت عبارة مكتوبة بخط كبير تظهر في المنتصف: "الدين هنا فقط"، ثم بدأت تتعاظم حتى غطت المسجد كله.

سألني الفضائي بهدوءٍ:

"أين انتهت الصلاة؟ عند باب المسجد؟"

أردتُ أنْ أُجيبه فورًا... أنْ أقول إنَّ فصل الدين عن السُّلطة حمى الناس من الاستبداد قرونًا، لكن الكلمات تعثَّرت في حلقي؛ لأنني، للمرَّة الأولى، لم أعد واثقًا تمامًا ممّا كنت أعدّه بديهيًّا.

اختفت الشاشة وعدنا إلى جو المحاكاة؛ مجلسٌ خاصٌ لقُريشٍ، وأبو جهل يُزمجر:

"إنه يتحدث عن مساواة وعدلٍ، يهدِّد أبناءنا وآباءنا وأموالنا."

وأبو لهب يُقطِّب جبينه:

"لا بدَّ أنْ نُسْكِته—قبل أنْ يُفرِّق العشائر."

أمعنت النظر داخل المشهد فهالني ما رأيت؛ كل واحدٍ منهم يرى شيئًا مختلفًا فوق رأس النبي ﷺ.

أبو لهب كان ينظر إلى شاشة صغيرة مكتوب فوقها: التجارة، القوافل، الذهب. 
بدأت الشاشة في التشقق.

فنظرت إلى أبي جهل، كانت شاشته مكتوب عليها كلمة واحدة: الزعامة. 
انهارت شاشته دفعةً واحدةً.

فنظرت إلى آخر؛ سيدٌ من أسياد قريشٍ يرتجف وهو ينظر إلى أحد عبيده وهو يجلس مكانه.

خفض الفضائي صوتَه، كأنما يجلدني بالحقائق:

"هل تظنُّ حقًا أنّ حرب قُريشٍ على الإسلام قد انتهت؟"

وقبل أنْ أُجيب، أدركتُ أنني كنتُ أرتكب الخطأ نفسه منذ البداية: كنتُ أتعامل مع قريشٍ كحادثةٍ تاريخيةٍ، بينما كان يتعامل معها كفكرةٍ تتكرر.

رفع يده فاهتزَّت الشاشة؛ مبانٍ شاهقةٌ، طائرات حربيةٌ، طائرات مُسَيَّرَةٌ، أبواق إعلامٍ، إمبراطوريات حديثةٌ.

"لم يسقط لواؤهم، إنما ورَّثوه؛ نفس اللواء اليوم يُرفع فوق دُوَلٍ تتبنَّى شعار الحرية وهي تُصفِّد أبناء شُعوبك."

توالت المشاهد: أطفالٌ في المخيَّمات، عُلماء خلف القضبان، قرى تحترق من أجل معادن نفيسةٍ، مصارف تغسل أموال الطغاة، وأنظمة تبيع شُعوبها وهي تتلو آيات قرآنية.

"يمدحون الإسلام المُعتدِل—ما دام مُطيعًا، صامتًا، وبلا أنيابٍ؛ سجادة صلاةٍ في يدٍ، وتصريح مرورٍ في اليد الأخرى. ما زالوا يخافون مما خافتْه قُريشٌ: دينٌ يحكُم، ونظامٌ لا يُشترى ولا يُروَّض."

ارتدَّ صدى صوت النبيِّ ﷺ من جبل الصفا:

"إني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ."

همستُ:

"فما العمل إذن؟ كيف نُقاوم؟"

أجاب الفضائي بثباتٍ، كالنار وقد تحوَّلَت فُولاذًا:

"ليس بالسلاح وحده، ولا بالشعارات الفارغة؛ قوَّتكم في العودة إلى دينكم، لا في الطقوس فقط—بل في الأنظمة. أقيموا العدل بينكم، انصُروا الضعيف، اكسروا قيود الطبقة والدم، وابنوا عالمًا تكون فيه الكرامة حقًّا لا امتيازًا، حينئذٍ وحدها يسقط الطغيان—كما سقطت أصنام قريشٍ".

أشار إلى الشاشة؛ وجهاء قُريشٍ في ذعرهم، يتآمرون في الخفاء، لا حديث عن تسامحٍ دينيٍّ، ولا كلام عن تعايشٍ، لم يكُن نزاعًا لاهوتيًا، كانوا يستعدُّون لحربٍ؛ لا مع الله، بل مع العدالة.

وهناك فهمتُ؛ لم يُحاولوا إسكات النبيِّ ﷺ لأنه دعا إلى إلهٍ واحدٍ، بل لأنه جعل العبيد والأشراف سواءً، لأنه أعطى صوتًا للمقموعين، لأنه رفض أنْ ينحني، ولأنه وعَدَ العالم بوعدٍ مُرعبٍ: أنّ الأصنام ستسقط يومًا، ومعها—كل طاغيةٍ يقتات عليها.

لم يكن الإسلام مجرَّد نجاةٍ فرديةٍ، كان إعادة ترتيبٍ للعالم. وللمرّة الأولى، لم أعد أرى الصراع بين الإسلام وقريشٍ كصراعٍ على ما يُعبَد فقط... بل على مَن يملك حقَّ تحديد معنى العدل نفسه.

وأنا، في غرفة هذا الفضائي، أدركتُ أخيراً لماذا حاولوا دفنه، ولماذا—حتى اليوم—لا يزالون يُحاولون.

وقبل أنْ أبوح بمكنون صدري، توقفت المحاكاة فجأةً ثم ظهر أمامي أغرب شيءٍ رأيته في حياتي:

تمثال ضخمٌ كأنه ناطحة سحابٍ. لم يكن اللات، ولا العزّى، ولا أحد أصنام قريشٍ التي ألفتها من وجودها حولي طوال الوقت؛ كان تمثالًا يتغير وجهه باستمرارٍ... مرةً تاج ملكٍ، ومرةً كومة ذهبٍ، ومرةً دبابةً، ومرةً مبنى مصرفٍ، ومرةً شاشة إعلامٍ، ومرةً كرسي رئاسةٍ، ومرةً شعار حزبٍ.

ولكن الأغرب من كل هذا أنّ اسمه لم يتغير مهما تغيرت ملامحه، بقي الاسم المنقوش أسفله ثابتًا:

"الصنم"


رابط الرواية على أمازون 


 


Comments

Popular posts from this blog

Allah ﷻ in Islam: A Quran-Centric Approach (6) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (31): أهداف الإسلام من إباحة القتال

Revelation in Motion (24): The Challenge of Truth – A Book Unlike Any Other