الْيَوْمُ الْحَادِي عَشَرَ: الْإِقْرَارُ الَّذِي لَا يَكْفِي

 

رواية قبو الاستجواب

انتهى الاستجواب، لكن الارتجاف الذي تركه في صدري ظلّ حاضرًا.

جلستُ في صمتٍ؛ لم يعد الأمر مُجرَّد حقائق، بل كان وقوفي على حافَّة حقيقةٍ شاسعةٍ، غريبةٍ، تكاد روحي تنكمش أمام جلالها. في ذلك السكون، تذكَّرتُ يوم القيامة؛ الوقوف بين يدي الله ﷻ—وحيدًا، لا جموع أستتر بها، ولا صديق يشفع لي، فقط ما عملتُ، وفقط ما آمنتُ به.

في تلك اللحظة الهادئة، قطعتُ عهدًا—ليس جهرًا، ولا رياءً—وإنما وعدًا محفورًا في صدري: حتى لو كان الحقُّ ثقيلًا—سأحمِله بإذن الله، لأنّ الله لا يسألُك يومها: هل كنتَ كاملًا؟ بل: هل كنتَ صادقًا وأنت تُحاول؟ فالبشر يحكمون بالنتائج، أما الله عزّ وجل فيحكم بالجهاد والسعي.

عاد صوت الفضائي—هادئاً، لكنه صارمٌ:

"قل لي... أكان كُفّار مكة يُنكرون أنّ الله خلقهم؟"

تجمَّدتُ، ورمشتُ غير متأكِّدٍ، ثم أجبتُ بعد تردُّدٍ:

"لا، لم يُنكروا."

تدفَّقت من أعماقي آياتٌ:

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (الزخرف: 87)

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان: 25)

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (العنكبوت: 61)

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: 9)

ابتسم الفضائي ابتسامةً خفيفةً—شيءٌ بين الإعجاب والدهشة:

"مُثيرٌ للاهتمام... كتابكم يبدو وكأنه يعرف الاعتراضات قبل أنْ تُقال، ويُغلق الثغرات قبل أنْ تُفتح."

ابتسمتُ بدوري، وتذكَّرتُ قوله تعالى في هذا الشأن:

﴿مَّآ فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍ﴾ (الأنعام: 38).

لكن صوته اشتدَّ فجأةً:

"إذن، إنْ كانت قُريشٌ تُؤمن بأنّ الله هو الخالق... فلماذا سمَّاهم القرآن كُفَّارًا؟"

شعرتُ أنّه لا يسأل هذه المرة ليختبر معرفتي، بل ليقودني نحو نتيجةٍ كنتُ أتهرَّب منها منذ بداية الاستجواب. 

أخذتُ نفسًا عميقًا:

"لأنّ الكفر ليس مُجرَّد إنكارٍ، بل رفضٌ وتغطيةٌ للحقِّ بعدما يصِل؛ وأصل الكلمة من كَفَرَ، أي غطَّى."

واصلتُ الشرح عندما لم يُقاطعني:

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: 14)

ثم أضفتُ مُستشهدًا:

﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (الحديد: 20)؛ فالكافر هنا هو الزارع الذي يُغطِّي البذور.

"فالإقرار بوجود الله ليس إيمانًا؛ الإيمان الحقُّ يعني قبول رسالة النبي ﷺ، طاعته، وعبادة الله وحده، وهنا فشلت قُريشٌ. أهل مكّة أقرُّوا بوجود الله، لكنهم عبدوا الأصنام معه، وذلك هو الشرك—أعظم صور الكفر."

وهنا خطر لي أنّ المشكلة لم تكن يومًا في معرفة الحقِّ... بل في قبول ما يترتَّب عليه.

صمتُّ لحظةً ثم تلوتُ بعدها:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 48)

وذكرتُ قولهم:

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ (الزمر: 3).

وقبل أنْ أُكمل الشرح، اشتعلت شاشة كبيرة أمامنا عليها صورة كبيرة لمكة. بدأت الأصنام في الاختفاء: اللات، والعزّى، ومناة، ثم تلتها الأصنام الثلاثمئة والستون كلها، وأضاءت الشاشة كلها باسم "الله" عزّ وجل عندما ظهر فوق مكة.

وقفت مذهولًا لا أدري ما يحدث أمامي، فأجابت المحاكاة:

"تم حذف جميع الآلهة التي كان يعبدها أهل مكة."

نظرت إلى الشاشة بعمقٍ فلم ألاحظ أي تغييرٍ؛ أبو جهل ما زال أبا جهل، أبو لهب ما زال أبا لهب، الاضطهاد مستمرٌ، الحرب مستمرةٌ، الاستكبار مستمرٌ. حاولتُ فهم ما يجري، وعندما عجزتُ عن ذلك، سألتُه:

"ولكن... كيف؟"

أجابت المحاكاة هذه المرة:

"الإقرار تم بنجاحٍ."

ظهر عندها فوق مكّة بخطٍ ضخمٍ العبارة:

الإقرار ≠ الإسلام

كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها المحاكاة تتعلم مباشرةً من الاستجواب، وعندها بدأتُ أفهم شيئًا مما يدور حولي على هذا الكوكب، ولكني كنت مخطئًا... بعض الشيء.

احتدَّت نظرات الفضائي:

"فلنذهب لأبعد من هذا إذن؛ إنْ كان الله خالقًا... فهو مُشرِّع أيضًا، أفلا يجب أنْ تحكم شرائعه حياتكم حتى اليوم؟"

أصابتني العبارة بصمتٍ مُربكٍ؛ لأنّ الجزء الأول منها كان بديهيًّا عندي، أمّا الجزء الثاني فكان يحمل نتائج لم أعتد التفكير فيها حتى نهايتها.

رفع إصبعه، وبنبرةٍ ثابتةٍ قال:

"لكن ذلك لا يعني تعطيل الفكر أو غلق أبواب الاجتهاد كما يقول علماؤكم؛ حسب ما لدينا من معلوماتٍ فالشريعة لم تكُن يومًا جامدةً، بل مرتكزةٌ على اجتهاد العلماء في فهم العالم واستيعاب تغييراته، لكن على أنْ تبقى نتائجهم مُؤسَّسةً على الوحي، لا على أهواء البشر."

هززتُ رأسي بثقةٍ هذه المرة:

"نعم، الشريعة ليست جامدةً—لكنها راسخةٌ، على عكس قوانينٍ تتبدَّل كلما تبدَّلت اليد التي تُمسك بالمقود."

كانت المرّة الأولى منذ اختطافي التي أسمع فيها كلماتي وكأنها موجَّهة إليّ أنا، لا إليه.

أضاءت شاشة خلفه فجأةً؛ نشرات أخبارٍ، محاكمُ، برلماناتٌ، مُدنٌ مقصوفةٌ، ومتظاهرون مُكبَّلون.

تردَّدتُ؛ كنتُ أكره أنْ أعترف له بشيءٍ كهذا… لكن الصور التي رأيتها في السنوات الأخيرة لم تترك لي مساحةً كبيرةً للإنكار، ثم تذكَّرتُ الوعد الذي قطعته على نفسي: أنْ أبحث عن الحقيقة، مهما كانت مُربكةً، فتمتمتُ:

"خُذ غزّة مثلًا؛ لعقودٍ تبجَّحوا بحرية التعبير—حتى خالفت مصالحهم، عندها أصبحت جريمةً."

لم أذكرها لأنتصر في النقاش، بل لأنّ جرحها كان أكبر من أنْ أتجاوزه كلّما تحدّثنا عن العدل والقانون، ثم أضفتُ بمرارةٍ:

"ما كان قانونيًا بالأمس... صار جريمةً اليوم."

ظل يُراقبني بصمتٍ، كأنه يقيس نُضجي، ثم قال:

"يحتاج الاعتراف بالخطأ إلى شجاعةٍ؛ أكثر بني جنسك يُؤثِرون الدَّعَة على حساب الحقِّ."

لم أُحبّ نبرة الرضا في صوته، لكنني لم أستطع إنكار أنّ بعض القناعات التي دخلتُ بها هذا القبو لم تخرج منه سليمةً. ضيَّقتُ عيني:

"لا تخلط التَّأمُّل بالاستسلام، لم أخضع لك، أنا فقط... أستمعُ."

ابتسم؛ لا سُخرية هذه المرة، بل كمن تذكَّر شيئًا دفينًا:

"إذن استعدَّ، فما زال لديَّ ما لم أُرِكَ إياه؛ سيرة نبيِّك... تاريخك... مُستقبلك، حقائق لم ترها بصفاءٍ، وحين تراها—لن ترى العالم كما كان."

ضحكتُ بخفوتٍ، بصوتٍ متقطِّعٍ:

"هاتِ ما عندك، لكن... دع قلبي يلحق بعقلي أولًا."

لأنّ أخطر ما اكتشفته في هذا المكان أنّ الإنسان قد يفهم الحقيقة في ساعةٍ... ثم يحتاج عمرًا كاملًا ليتعلّم كيف يعيش بها.

ظهرت أمام الفراش شاشة صغيرة، لم أرها من قبلُ، مكتوب في وسطها:

نسبة التوافق المعرفي: 92%

ابتسمتُ بفخرٍ ثم نظرتُ إلى الفضائي، فشعرتُ أنه لا يستطيع رؤيتها. 

وقبل أنْ أُخبره بما أرى، ظهر سطر ثانٍ يقول:

نسبة التوافق السلوكي: 11%

اختفت ابتسامتي واتسعت ابتسامته، وعندها فقط... انطفأت الشاشة. 

أومأ برأسه فغمرت العتمة الغرفة، لكن شيئًا في داخلي قد استيقظ—ولن يعود إلى النوم أبدًا.

رابط الرواية على أمازون


Comments

Popular posts from this blog

Allah ﷻ in Islam: A Quran-Centric Approach (6) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (31): أهداف الإسلام من إباحة القتال

Revelation in Motion (24): The Challenge of Truth – A Book Unlike Any Other