سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (17): رحلة الطائف
الحقائق التاريخية:
لمّا اشتدّ على الرسول ﷺ كيد قريش وأذاها بعد وفاة عمه وزوجه، توجه إلى الطائف لعله يجد في ثقيف حسن الإصغاء لدعوته والانتصار لها، ولكنهم ردّوه ردّاً غير جميل، وأغروا به صبيانهم، فقذفوه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الطاهرتين، ثم التجأ إلى بستان من بساتين الطائف، وتوجه إلى الله بهذا الدعاء الخاشع: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، على من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا ابالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
الدروس المستفادة:
في توجه النبي ﷺ إلى الطائف بعد أن أعرضت عنه مكه دليل على التصميم الجازم في نفس الرسول ﷺ على الاستمرار في دعوته، وعدم اليأس من استجابة الناس لها، وبحث عن ميدان جديد للدعوة بعد أن قامت الحواجز دونها في ميدانها الأول.
كما أنّ في إغراء ثقيف صبيانها وسفهاءها بالرسول، دليلا على أن طبيعة الشر واحدة أينما كانت، وهي الاعتماد على السفهاء في إيذاء دعاة الخير.
وفي سيل الدماء من قدمي النبي ﷺ، وهو النبي الكريم، أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل الله من أذى واضطهاد.
أما دعاء النبي ﷺ في البستان ذلك الدعاء الخالد، ففيه تأكيد لصدق الرسول في دعوته، وتصميم على الاستمرار فيها مهما قامت في وجهه الصعاب، وأنه لا يهمه إلا رضى الله وحده، فلا يهمه رضى الكبراء والزعماء، ولا يهمه رضى العامة والدهماء "إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي". كما أن فيه استمداد القوم من الله عز وجل باللجوء إليه والاستعانة به عندما يشتد الأذى بالداعية. وفيه أنّ خوف الداعية كل الخوف هو من سخط الله عليه وغضبه، لا من سخط أي شيء سواه.
أحدث الدراسات:
الصبر والمرونة النفسية (Resilience):
تشير الدراسات النفسية الحديثة إلى أن الأشخاص الذين يتمتعون بالمرونة النفسية لديهم قدرة أكبر على مواجهة الصعوبات والتحديات دون الاستسلام. من أبرز المفاهيم المستخلصة هو مفهوم "النمو بعد الصدمة" (Post-Traumatic Growth)، الذي يشير إلى قدرة الأفراد على اكتساب قوة داخلية ورؤية أعمق للحياة بعد المرور بأحداث مؤلمة. في حالة النبي ﷺ، توجهه إلى الطائف بعد أذى قريش هو مثال على هذه المرونة.
الدعاء كأداة لتخفيف التوتر وتعزيز السلام الداخلي:
تؤكد أبحاث علم النفس الإيجابي أهمية الصلاة والدعاء في تعزيز الشعور بالطمأنينة والتخفيف من الضغوط النفسية. دراسة أجريت على مجموعات تستخدم التأمل أو الدعاء أظهرت انخفاضاً ملحوظاً في مستويات القلق والتوتر لديهم. دعاء النبي ﷺ في البستان، بما يحمله من خضوع كامل لله وثقة بقدرته، يعكس الاستفادة من هذا الأسلوب النفسي العميق.
الاستمرارية والإبداع في الدعوة:
النظرية الاجتماعية حول "ابتكار البدائل" (Innovation in Problem-Solving) تؤكد أهمية الانتقال إلى استراتيجيات جديدة عند مواجهة العراقيل. توجه النبي ﷺ إلى الطائف بعد أن سُدَّت الطرق في مكة يعكس هذه الفكرة، حيث لم يستسلم للعقبات بل سعى إلى ميدان جديد للدعوة، مما يبرز أهمية الإبداع والبحث المستمر عن الحلول.
التأثير الاجتماعي للسفهاء في مواجهة دعاة الخير:
في علم الاجتماع، يُعتبر استغلال الفئات الأكثر تأثراً بالتحريض، مثل الصبيان أو السفهاء، أداة شائعة في مقاومة التغيير الإيجابي. يُظهر هذا النمط استمرارية طبيعة الشر في المجتمعات التي تسعى لتثبيت الأوضاع القائمة على حساب الحق والعدل.
الخاتمة:
تُظهر رحلة النبي ﷺ إلى الطائف دروساً إنسانية ودعوية لا تقدر بثمن. إنها رسالة لكل داعية ومصلح بأن الطريق إلى الخير مليء بالتحديات، لكن الصبر والتصميم والإيمان بالله هي مفاتيح النجاح. كما أن استغلال الدعاء كوسيلة للاستمداد بالقوة الروحية يظل أداة حيوية لمواجهة المحن.
وفي هذه القصة مثال خالد على أن المصلح لا يقيس نجاحه برضى الناس أو قبولهم، بل برضى الله عنه. إنها دعوة للاستمرارية رغم الصعاب، وللاعتصام بحبل الله في كل الأوقات.

Comments
Post a Comment