سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (29): المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
الحقائق التاريخية:
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هو الأساس الثاني الذي أقام عليه النبي ﷺ دولته بعد بناء المسجد، حيث آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار في صورة لا تعرف البشرية على مدى تاريخها لها مثيلاً.
فتح الأنصار قلوبهم وبيوتهم لإخوانهم المهاجرين، بصدر رحب ونفس راضية وحفاوة بالغة، فكان الصحابي من المهاجرين ينزل على أخيه الأنصاري، فيسارع الأنصاري بتقسيم ماله شطرين بينهما، وتقسيم داره نصفين بينهما.
وهكذا ربط النبي ﷺ بين قلوب المسلمين جميعا، فأصبحت عروة الإيمان فوق كل أسباب الصلات البشرية من دم ونسب وأصبح عقد الأخوة ورابطة الأخوة بينهما مقدمة على سائر الروابط.
الدروس المستفادة:
في مؤاخاة الرسول بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية البناءة، فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم، فجاؤوا المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم، فليحمل الأخ أخاه، وليقسم معه سراء الحياة وضراءها، ولينزله في بيته ما دام فيه متسع لهما، وليعطه نصف ماله ما دام غنياً عنه، موفراً له، فأية عدالة اجتماعية في الدنيا تعدل هذه الأخوة؟
وفي الكتاب الذي عقد فيه الرسول الأخوة بين المهاجرين والأنصار، والتعاون بين المسلمين وغيرهم جملة من الأدلة التي تؤكد وتُثبت أنّ أساس الدولة الإسلامية قائم على العدالة الاجتماعية، وأن أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم ما سالموا، وأن مبدأ الحق والعدل والتعاون على البر والتقوى والعمل لخير الناس، ودفع أذى الأشرار عن المجتمع، هو أبرز الشعارات التي تنادي بها دولة الإسلام.
أحدث الدراسات:
تعزز الأبحاث والدراسات الاجتماعية الحديثة فكرة أن التعاون والتضامن بين الأفراد والمجتمعات يساهم في تقليل التوترات الاجتماعية والاقتصادية. تشير دراسة نُشرت في مجلة "Social Science Research" إلى أن المجتمعات التي تتسم بمستوى عالٍ من التضامن الاجتماعي تحقق نتائج إيجابية في مجال الصحة النفسية والتنمية الاقتصادية. هذا يتفق مع ما فعله النبي ﷺ في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، حيث أرسى نموذجاً عملياً لدولة قائمة على التعاون والعدل الاجتماعي.
من جانب آخر، تؤكد دراسات معاصرة في علم الاجتماع السياسي أن بناء شراكات مستدامة بين الفئات المختلفة يُقلل من احتمالية نشوء الصراعات الداخلية، وهو ما تجلّى بوضوح في "وثيقة المؤاخاة" التي حددت أسس العلاقة بين المسلمين وغيرهم في المدينة المنورة.
الخاتمة:
في مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار نرى درساً خالداً في بناء مجتمع متماسك ومتناغم، حيث يتم احتضان القادمين من بيئات مختلفة بروح الأخوة والمساواة. إن هذا النموذج ليس فقط مصدر إلهام للمسلمين في العصر الحديث، ولكنه يقدم للبشرية جمعاء خريطة طريق لبناء مجتمعات أكثر عدلاً ورحمة.

Comments
Post a Comment