حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (11): الهجرة: رحلة لم تكن بحثاً عن النجاة... بل عن الدولة

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة

مازلت قابعا داخل الزنزانة المعدنية الباردة أترقب وصول الكائن الفضائي لنُكمل حديثنا ورحلتنا عبر الزمن. أضواء خافتة تنعكس على الجدران، وصوت طنين ضعيف يرافق صمتي وأنا أُحدّق في السقف. فجأة، انفتح باب الزنزانة، ورايت الكائن الفضائي يقف هناك، مبتسمًا ابتسامة تحمل مزيجًا من الفضول والتحدي.

رددت له ابتسامة التحدي وقلت له:

"في المرة الأخيرة قررتَ أن تأخذني إلى المدينة المنورة لأرى ما فعله النبي ﷺ حين وصل إليها، أمازلت ترى أن هذا أفضل الأماكن لزيارتها الآن أم غيّرت رأيك؟"

تظاهر الكائن الفضائي بعدم سماعي وقال:  

"دعني أسألك سؤالًا بسيطًا: لماذا غادر نبيكم ﷺ مكة؟ أليست مكة المدينة المقدسة؟ فيها بيت الله الحرام؟ فلماذا يتركها ويذهب إلى مدينة موبوءة، فقيرة، مليئة بالصراعات والانقسامات؟ مدينة يُسيطر على اقتصادها اليهود؟ هل كان ذلك لمجرد الحفاظ على حياته؟"


وقبل أن يمنحني الفرصة للإجابة عليه أو حتى التفكير فيما قاله استطرد قائلا:

"هل تعلم كيف كان حال المدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليها؟"

وبدون أن ينتظر جوابا أخذ شهيقا طويلا فعرفت أنها ستكون واحدة من محاضراته فقاطعته أنا هذه المرة: أجل، أعرف.

قد كانت يثرب وقتها مليئة بالصراعات الطائفية بين الأوس والخزرج وكانت قبائل اليهود هناك تُؤجج هذا الصراع بين الحين والآخر حتى تكون لها الريادة والسيادة "فرّق تسُد". وكانت اليهود أيضا تتحكم في اقتصاد المدينة.

ناهيك عن انتشار الأوبئة والأمراض التي فتكت بقاطنيها قبل أن تفتك بعدد من المسلمين كما وصفت عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، حين قالت:

"قَدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان ( وادي ) يجري نجلا أي ماء آجِنًا (متغيرا)"

وقالت عن مرض أبيها، أبي بكر، بحمّى الملاريا:

"لما قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة وعِكَ (مرض) أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

"كُلُّ امْرىءٍ مُصَبَّحٌ فِي أهلِهِ والْمَوْتُ أدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِه"

وكان بلال يقول:

"اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأُميّة بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ".


ابتسم الكائن ابتسامة المنتصر وقال:

"أرأيت؟ لم تكن الهجرة مجرد وسيلة للبقاء أو الحفاظ على حياته وإلا لما ذهب لأرض موبوءة، أليس كذلك؟"

أخذت عندها نفسا عميقا ثم قلت:

"لم يكن الأمر بهذه البساطة. لقد تعرض هو ﷺ وأصحابه للاضطهاد في مكة. الهجرة كانت ضرورة للبقاء."

اقترب الكائن الفضائي بخطوات بطيئة، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه.

"البقاء؟ هل تعتقد أن شخصًا يواجه الموت في كل لحظة من أجل نشر رسالة سيختار مكانًا يعجّ بالأمراض والفقر والنزاعات القبلية كملاذ آمن؟ لا، لقد غادر مكة لأنه كان يسعى لتأسيس دولة. دولة تُطبّق فيها مبادئ الإسلام، لا مجرد أداء للصلوات في الخفاء."


خيّم الصمت على الغرفة للحظات، بعدها همستُ وكأن الكلمات تخرج رغمًا عني:

"لكن الإسلام دين، رسالة روحية..."

ردّ الكائن الفضائي بلهجة حادة هذه المرة:

 "دين؟ نعم. ولكن ليس كما تحاول أن تُصوّره لي الآن. الإسلام ليس طقوسًا فردية معزولة عن الحياة. لماذا تعتقد أن النبي ﷺ لم يكتفِ بالدعوة في مكة؟ لأنه لم يكن يستطيع أن يُقيم العدل ويُنفّذ الشريعة تحت سلطة قريش. الهجرة لم تكن هروبًا، بل كانت إعلانًا عن بداية مشروع سياسي."


وفي لحظة خاطفة، يضع الكائن الفضائي النظارة فوق وجهي، فأجد نفسي فجأة واقفًا في صحراء المدينة المنورة. أشعر بحرارة الشمس تلفح وجهي، ورائحة الغبار تعبق في أنفي. 

أرى النبي ﷺ يرفع الطوب لبناء المسجد النبوي مع أصحابه، ثم أراه يؤاخي بين المهاجرين والأنصار الذين ضربوا أروع الأمثلة في الإيثار، وكانت هذه لبنة النظام الاجتماعي الذي لم يتكرر عبر التاريخ كله، ثم أنتقل لأراه يؤسس للنظام الاقتصادي ببناء السوق، و...

قاطعني الكائن الفضائي بصوت يعلو فوق الضوضاء:

أتعرف ما حدث فور وصوله ﷺ إلى المدينة؟


لقد كتب أول دستور في التاريخ البشري:  صحيفة المدينة.

وثيقة تنظم العلاقات بين المسلمين واليهود والمشركين. دستور لدولة متعددة الأديان، يضمن الحقوق ويحدد الواجبات.

أهذا عمل نبي جاء فقط ليعلم الناس كيفية الصلاة والصيام؟

أشاهد توقيع الوثيقة وأنا منبهر بما أراه، أرى كيف تتغير الوجوه من الشك إلى الثقة، وكيف تُبنى أركان المجتمع الجديد على أساس العدل والمساواة.


قلت بصوت مرتجف: 

"ربما كان ذلك ضرورة اجتماعية. المدينة كانت مليئة بالصراعات..."

اقترب الكائن الفضائي أكثر، وعينيه تلمعان بتحدٍّ:

بالضبط! وقد استخدم الإسلام لحل تلك الصراعات. 

ألغى الثأر القبلي، وأسس سوقًا حرّة تخضع لمبادئ العدالة، وفرض الزكاة كنظام اقتصادي. هل ترى الآن؟ لم يكن مجرد نبي. كان قائدًا لدولة.


تتلاشى الرؤية، وأعود إلى زنزانتي. قلبي ينبض بقوة، وصدى الكلمات يرن في أذني.

قال الكائن الفضائي بنبرة أكثر هدوءًا:

"لنضع الأمور في سياقها: لو كان الإسلام دينًا روحيًا فقط، لظل النبي ﷺ في مكة، يصلي في الكهوف، ويدعو الناس في الخفاء. لكنه لم يفعل. لقد خاطر بكل شيء ليؤسس نظامًا سياسيًا."

جلستُ بصمت، أُحدّق في الأرض، وكأنّ روحي تسافر عبر الزمن، تبحث عن إجابة.


لم أجد ما أقول فغمغمت:

"لكن... هذا لا يعني أن الدين لا يمكن فصله عن الدولة الآن."

ابتسم الكائن الفضائي ابتسامة خفيفة، ومال برأسه قليلًا وكأنه يمنحني فرصة للتفكير، ثم قال:

"ربما. لكن السؤال الحقيقي هو:

هل يمكنك أن تفصل بين العدالة والحكم؟ بين الأخلاق والسياسة؟

 الإسلام لم يفصل بينهما قط. 

ربما أنت فقط من يحاول ذلك."

صمتُّ طويلا هده المرة أحدّق في سماء الغرفة الذي خُيّل إلى أنها ملبدة بالغيوم، وأحسست بأن شيئا ما قد بدأ يتغير داخلي.


ترقبوا في المقال القادم 

ظننتُ أن العبادة مسألة شخصية بيني وبين ربي، لا تحتاج إلا لقلبي الخاشع وجسدي الراكع. لكن، ماذا لو كانت هناك أركان في ديني لا تكتمل إلا بوجود نظام سياسي يدعمها؟ هل يمكن للصلاة، والزكاة، والصوم، والحج أن تزدهر في فراغٍ بلا دولة؟ 

في اللقاء القادم، سيقلب الكائن الفضائي هذا الاعتقاد رأسًا على عقب، ليقودني نحو سؤال لم يخطر لي يومًا: 

هل تحتاج العبادة حقًا إلى دولة؟

Comments

Popular posts from this blog

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (1): صدمة القادم من الفضاء

الإسلام والبيئة (1): رسالة من المستقبل

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (2): الزنزانة الزرقاء وبداية الرحلة عبر تاريخ الإسلام