في ضيافة المجهول: رحلة فلسفية مع كائن فضائي (16) — الإتقان.. أساس العلم والوجود

 في ضيافة المجهول

نظر إليّ الكائن الفضائي بتمعّن قبل أن يطرح سؤاله: 

"تدّعي أن الكون متقن الصنع، لكن ماذا لو كان مجرد فوضى أنت تتوهم اتساقها؟ ماذا لو لم يكن هناك إتقان مطلقًا؟"

ابتسمتُ وأنا أتأمل في سؤاله، ثم قلت: 

"إن إنكار الإتقان في الكون هو في الحقيقة تمرد على العلم نفسه. أنت تقول إن الكون لا يتمتع بالنظام، ولكنك في نفس الوقت تستخدم أدوات علمية مبنية بالكامل على افتراض أن هناك نظامًا يسمح لك باكتشاف قوانينه."


ضاقت عيناه الفضيتان وهو يردّ: 

"كيف ذلك؟"

قلتُ بثقة: 

"العلم قائم على فرضية أن القوانين الكونية ثابتة ومستمرة، وهو ما يُعرف بمبدأ الوتيرة الواحدة أو Doctrine of Uniformity، هذا المبدأ ينصّ على أن قوانين الفيزياء لا تتغير عبر الزمن أو المكان، وأن الكون يعمل بانتظام وفقًا لهذه القوانين. ولو لم يكن الكون متقنًا لما أمكننا قياس أي شيء، ولاكتشف العلماء أن معادلاتهم تنهار كلما أعادوا التجربة."


قال الكائن الفضائي وهو يميل إلى الخلف: 

"إذن، أنت ترى أن العلم نفسه دليل على الإتقان؟"

أجبته: 

"ليس مجرد دليل، بل هو فرع من هذه الحقيقة. العلم لا يمكن أن يستمر أو يتقدم إلا إذا كان الواقع منضبطًا، ولو كانت الفوضى هي الأساس لما كانت هناك قوانين رياضية تُستخدم لوصف الظواهر الكونية. القوانين التي يعتمد عليها العلم مثل الجاذبية، الديناميكا الحرارية، والميكانيكا الكمّية كلها قائمة على مبدأ أن الكون منظم ويمكن التنبؤ بسلوكه إلى حد كبير. ولو كان الكون بلا إتقان، لما كنا قادرين على التنبؤ بحركة كوكب، ولا بوقت حدوث الكسوف، ولا حتى بقياس سرعة الضوء بدقة مذهلة."


نظر إليّ بتمعن قبل أن يسأل: 

"لكن ألا يُحتمل أن يكون هذا مجرد وهم بشري؟ ربما نحن الذين نفرض الإتقان على الواقع وليس العكس؟"

ضحكتُ وقلت: 

"إذا كان الإتقان مجرد وهم، فلماذا تعتمد على العلم الذي يفترض وجوده؟ لماذا يصرّ العلماء على استخدام رياضيات دقيقة للغاية لتفسير الظواهر؟ لماذا تنجح الهندسة في بناء الجسور، وتنجح الكيمياء في تطوير الأدوية، وتنجح الفيزياء في إرسال المركبات الفضائية بدقة تصل إلى السنتيمترات؟ كل ذلك ممكن فقط لأن قوانين الكون متقنة، أي أنها متسقة وقابلة للقياس والتكرار. إن إنكار الإتقان ليس إلا تمرّدًا على كل تجربة علمية موثوقة."


نظر إليّ الكائن الفضائي بتفكير، ثم قال: 

"ولكن هناك من يدّعي أن وجود كواكب كثيرة غير مأهولة يُثبت أن الكون ليس متقنًا. فما ردك؟"

ابتسمتُ وقلت: 

"هذا يشبه رجلًا يسير في صحراء شاسعة ثم يعثر على قصر فخم مجهز بكل وسائل الراحة، فيقول: ‘وجود هذه الصحراء يجعل القصر أمرًا عاديًا’. هل تبدد الرمال حقيقة أن القصر متقن الصنع؟ بالطبع لا. بل إنها تؤكد أنه تم بناؤه بإرادة وتصميم وسط بيئة غير مساعدة. وبالمثل، فإن وجود مليارات الكواكب غير المأهولة لا يلغي حقيقة أن كوكبنا تم تصميمه بعناية ليكون صالحًا للحياة."


بدا الكائن الفضائي وكأنه يفكر بجدية في الأمر، ثم قال: 

"إذن، أنت ترى أن الكون ليس فقط متقنًا، بل إن العلم ذاته يعتمد على هذه الحقيقة؟"

أجبته بثقة: 

"تمامًا. بل أكثر من ذلك، إن إنكار الإتقان هو إنكار للعلم نفسه. قال تعالى: "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ"، فالإتقان ليس مجرد صفة من صفات هذا الكون، بل هو توقيع الخالق على كل ذرة من ذراته."


تم الاستفادة في هذه السلسلة من كتاب بصائر، تأليف د. هيثم طلعت، لمن أراد التوسع في هذا الموضوع.

Comments

Popular posts from this blog

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (1): صدمة القادم من الفضاء

الإسلام والبيئة (1): رسالة من المستقبل

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (2): الزنزانة الزرقاء وبداية الرحلة عبر تاريخ الإسلام