في ضيافة المجهول: رحلة فلسفية مع كائن فضائي (5) — كيف بدأ الإلحاد؟
تغيرت نبرة الكائن الفضائي وهو يتكئ للخلف، وقد بدت على وجهه ملامح تأمل عميق قبل أن يسألني:
"أخبرتني أن الإلحاد انحراف عن الأصل. لكن متى بدأ هذا الانحراف؟ هل كان هناك دائماً من يُنكر وجود خالق؟"
ابتسمتُ للحظة، ثم قلتُ:
"في الحقيقة، ستتفاجأ لو علمتَ أن الإلحاد، بمعناه المعروف اليوم، لم يظهر إلا في وقت متأخر جداً من تاريخ البشرية."
رفع حاجبه مستغرباً:
"متأخر؟ ولكن كيف ذلك؟ هل تقصد أنه لم يكن هناك ملحدون في العصور القديمة؟"
أجبت ببطء وأنا أحاول استرجاع معلوماتي:
"ليس بالمعنى الذي نفهمه اليوم. حتى القرن الثامن عشر الميلادي، لم يكن هناك إنكار صريح لوجود خالق. ما كان سائداً هو التمرد على السلطة الدينية أو تأويل النصوص الدينية بشكل منحرف، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لظهور الإلحاد."
تدخلت زوجته، التي كانت تراقبنا بصمت:
"تأويل النصوص؟ أليس هذا جزءاً من محاولة فهمها؟"
نظرت إليها وقلت:
"نعم، لكن هناك فرق بين التأويل لفهم أعمق، والتأويل الفاسد الذي يخرج النص عن معناه الحقيقي. هذا الأخير يهدم الثقة في النصوص الدينية نفسها. وعندما يفقد الناس هذه الثقة، يبدأ التشكيك ليس فقط في النصوص، بل في الفكرة كلها، حتى وجود الخالق."
تساءل الابن المراهق بفضول:
"وهل هذا ما حدث في ما تسمونه في عالمكم بقارة أوروبا؟"
أومأت برأسي وأنا أتعجب من كثرة معلوماتهم عن كوكبنا:
"بالضبط. خلال عصر التنوير في أوروبا، ظهر فلاسفة وعلمانيون سعوا لتأويل النصوص الدينية بما يخدم أفكارهم. كان فولتير من أشهرهم، لكنه لم يكن ملحداً كما يُظن. لقد كان معارضاً للكنيسة، لكنه اعترف بوجود خالق. بل وبنى كنيسة بالقرب من قصره كتب عليها: 'يا رب، اذكر عبدك فولتير.'"
تدخل الأب العجوز للكائن قائلاً:
"وهل الإلحاد بدأ فقط من التمرد على الدين؟"
أجبته بأدب:
"التمرد كان الشرارة، لكن التنظير الحقيقي للإلحاد بدأ في القرن التاسع عشر مع مفكرين مثل كارل ماركس، الذي رأى أن الدين مجرد انعكاس للبنية الاقتصادية. ثم جاء تشارلز داروين بنظرية التطور، والتي أساء البعض فهمها ليستخدموها كذريعة لنفي وجود الخالق."
قاطعتنا الابنة المراهقة بسؤال حاد:
"وماذا عن فكرة أن الدين مجرد اختراع اجتماعي؟"
ابتسمت وقلت:
"هذا ما حاول دوركايم ترويجه. ادعى أن الدين نشأ كنتاج للعقل الجمعي لتفسير الظواهر الطبيعية. لكنه تجاهل حقيقة أن الدين ظاهرة فردية في الأصل، علاقة شخصية بين الإنسان وربه. ولم يُفسر لنا كيف ظهرت فكرة الإله الواحد عبر مختلف الحضارات دون أي ارتباط مباشر بينها."
ضحك الكائن قائلاً:
"إذاً، كان الإلحاد مجرد سلسلة من سوء الفهم؟"
هززت رأسي:
"ليس فقط سوء فهم، بل أيضاً تدليس متعمد في بعض الأحيان. دوركايم، على سبيل المثال، صوّر طقوس بعض القبائل البدائية كدليل على أن الدين مجرد ظاهرة اجتماعية، لكن الحقيقة أن هذه الطقوس كانت تمرداً على نظمهم الدينية والاجتماعية، لا تأكيداً لها."
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول الكائن ببطء:
"يبدو أن الإلحاد لم يكن سوى صدى لضياع الإنسان عن الحقيقة."
أجبته بابتسامة:
"وربما رحلة بحث عن الحقيقة لم تكتمل بعد."
ترقبوا في المقال القادم:
ما علاقة الإلحاد بالتنويريين والتأويليين؟
تم الاستفادة في هذه السلسلة من كتاب بصائر، تأليف د. هيثم طلعت، لمن أراد التوسع في هذا الموضوع.

Comments
Post a Comment