في ضيافة المجهول: رحلة فلسفية مع كائن فضائي (8) — هل يستطيع قانون الجاذبية خلق الكون؟
كان الكائن الفضائي يتأملني بعينين تلمعان بفضول لا يهدأ، بينما خلفه جلست زوجته بصمت، وبدت على وجهها ملامح تأمل عميق. قاطعني فجأة بصوته الرتيب:
"ما المانع أن تكون هناك قوانين فيزيائية سبقت ظهور كونكم؟ ربما كان لهذه القوانين دور في إيجاده؟"
تقدمت خطوة إلى الأمام، أشعر أن النقاش يقترب من ذروته. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
"السؤال جيد، لكن دعنا نبدأ من الجذر: فكرة وجود قوانين قبل الكون هي قفزة في المجهول. إنها أشبه بمحاولة الإمساك بالضوء بيديك، لا دليل ولا برهان، فقط افتراضات لتجنب الحقيقة المزعجة."
تدخلت زوجته، بنبرة تشي بالدهشة:
"لكن لماذا تعتبر ذلك غير منطقي؟ أليس من الممكن وجود قوانين أزلية؟"
أجبت:
"لأن كلمة 'قبل' نفسها غير منطقية هنا. الزمن بدأ مع بداية الكون. لا يوجد 'قبل' خارج إطار الزمن، وهذا ليس رأياً فلسفياً فقط بل حقيقة علمية يؤكدها كل من فهم طبيعة الزمكان."
أطرق الكائن الفضائي برأسه قليلاً، ثم رفع عينيه وقال:
"ولكن حتى لو كان الزمن بدأ مع الكون، ألا يمكن لقوانين كالجاذبية أن تكون الكيان الذي تسبب في وجوده؟"
قهقهت بخفة وقلت:
"قانون الجاذبية؟ هل تظن أن القانون بحد ذاته قادر على الخلق؟ القوانين الفيزيائية هي مجرد توصيفات رياضية لظواهر طبيعية، لا أكثر. هي تصف كيف تسقط التفاحة من الشجرة، لكنها لا تخلق الشجرة، ولا التفاحة، ولا حتى الجاذبية نفسها."
ساد صمت للحظات، ثم قالت زوجته:
"لكن ماذا لو كان القانون بحد ذاته كياناً مستقلاً؟ قوة تخلق وتدير؟"
اقتربت من الطاولة بيننا، وضربت عليها بخفة قائلاً:
"هل قوانين الاحتراق الداخلي تخلق محرك السيارة؟ بالطبع لا. هي تصف كيف يعمل المحرك، لكنها لا تصنعه، ولا توفر الوقود، ولا تخلق السائق. نفس الأمر ينطبق على قانون الجاذبية."
ظهر على وجه الكائن الفضائي تعبير يشبه الإحباط، لكن في عينيه بريق مقاومة فكرية. قال:
"ربما... لكن هذا يعني أنك تعتقد أن هناك شيئاً آخر وراء القوانين. شيئاً أعطاها وجودها؟"
ابتسمت بثقة:
"نعم. إذا كانت القوانين تحتاج لمن يسنّها، فمن الذي سنّ قوانين الكون؟ من وضعها بهذا الإتقان والدقة؟ إن الجواب ليس في مزيد من الفرضيات، بل في الاعتراف بالحقيقة التي يحاول الكثيرون تجنبها: لهذا الكون خالق."
ساد صمت عميق، لكنني شعرت أنه لم يكن صمت الهزيمة، بل صمت التأمل... وبدأت بذور الحقيقة تنبت في عقولهم.
تم الاستفادة في هذه السلسلة من كتاب بصائر، تأليف د. هيثم طلعت، لمن أراد التوسع في هذا الموضوع.

Comments
Post a Comment