سلسلة خواطر: احذر لصوص رمضان
لقد كان رمضان شهر الطاعات والقربات، شهر المنافسة في الخير والتسابق إلى البر، لكنه في زماننا تحوّل عند كثير من المسلمين إلى موسم للانشغال بالدنيا ومغرياتها، حيث تُصرف القلوب عن الطاعة، وتُلهى العقول بما لا ينفع. وإن كان الله قد صفّد شياطين الجن في هذا الشهر، فشياطين الإنس لا يدَعون المسلمين وشأنهم، بل يتفننون كل عام في سرقة بركة هذا الشهر وحرمان الناس من الخير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لها". فكيف نضيّع هذه النفحات في اللهو واللغو؟
ينكبُّ المسلمون كبارًا وصغارًا، شيوخًا وشبابًا، رجالًا ونساءً على ملهيات شتّى، تسرق أوقاتهم وتحرمهم من الخيرات، ومن أخطرها:
- وسائل
التواصل الاجتماعي: أصبحت
وسائل التواصل أكبر مضيعة للوقت في رمضان، حيث ينشغل الناس بتصفح الأخبار
والمنشورات، والمحادثات التي قد لا تحمل أي نفع. وقد يتحوّل الأمر إلى الغيبة
والنميمة، والانشغال عن الذكر والعبادة. قال تعالى: "وَالَّذِينَ هُمْ
عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ" (المؤمنون: 3). فليحذر المسلم من أن يضيع
وقته فيما لا فائدة منه.
- التلفزيون
من برامج ومسلسلات تحوَّل
رمضان إلى موسم للعروض الترفيهية التي تصرف القلوب عن الطاعة. يجلس الناس
لساعات أمام الشاشات، فلا يقرؤون القرآن، ولا يتدبرون، ولا يقومون الليل. وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له
ما تقدم من ذنبه" (متفق عليه). فهل يعقل أن نضيع هذه الفرصة الثمينة؟
- المطبخ
والانشغال بالمأكولات تقضي
النساء ساعات طويلة في إعداد أشهى الأطعمة، وكأنّ رمضان موسم للطعام بدلًا من
العبادة. والله شرع الصيام لتربية النفوس على التقوى، لا للإفراط في الأكل.
قال تعالى: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ" (الأعراف: 31).
- السهر
والإرهاق اعتاد
كثير من الناس السهر الطويل في رمضان على أمور لا تنفع، مما يؤدي إلى التكاسل
عن صلاة الفجر وقيام الليل، وضعف الهمة في العمل نهارًا. قال النبي صلى الله
عليه وسلم: "بورك لأمتي في بكورها" (صحيح الجامع للألباني). فكيف نضيع هذه
البركة في السهر غير النافع؟
- البخل
وحرمان النفس من الصدقة كان
النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كالريح
المرسلة، لكن البعض اليوم يبخل بالصدقة، مع أن العطاء في رمضان مضاعف الأجر.
قال تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ
مِّئَةُ حَبَّةٍ" (البقرة: 261). فكيف يفرط المسلم في هذا الفضل العظيم؟
- الصحبة السيئة لا يزال بعض الناس يقضون أوقاتهم مع رفقة لا تذكرهم بالله، بل تشغلهم عن الطاعة، فيضيعون الأوقات في كلام لا طائل منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" (رواه أبو داود والترمذي). فليحرص المسلم على اختيار الصحبة الصالحة التي تعينه على الخير.
إنّ شهر رمضان فرصة عظيمة للتقرب إلى الله، فلا نسمح للّصوص أن يسرقوا منا بركته. فليكن هذا الشهر نقطة تحول، نعيد فيها ترتيب أولوياتنا، ونضع الطاعة في المقام الأول. اللهم بلغنا رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا فيه من المقبولين.

Comments
Post a Comment