رمضان والقرآن (11): محاور سورة آل عمران (الجزء الثالث) ــ حقيقة الموت

 

سلسلة رمضان والقرآن

الموتُ هو الحقيقةُ الكبرى التي لا مهربَ منها، والحاجزُ الذي يفصلُ بين الحياةِ العابرةِ والخلودِ الأبديّ. تأتي سورةُ آل عمرانِ لتجعلَ هذه الحقيقةِ ماثلةً أمام العيون، لا لتثيرَ الجزعَ، بل لتفتحَ الأفقَ نحو الفهمِ العميقِ للوجودِ والغايَةِ منه. فالحديثُ عن الموتِ في هذه السورةِ ليس مجردَ تذكيرٍ بزوالِ الدنيا، وإنما هو امتدادٌ لمحورِها الأساسِي: التوحيد. فقد استهلَّت السورةُ بذكرِ أولِ صفةٍ لله تعالى: "الحَي"، في قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]، لتؤكدَ أنَّ الحياةَ الحقيقيةَ المطلقةَ إنما هي لله وحده، وأما سائرُ الخلقِ فمصيرُهم إلى الفناء.


وفي هذا السياق، يُرَدُّ على النصارى الذين أضفَوا صفاتِ الألوهيةِ على عيسى عليه السلام، فتُذكِّرهم السورةُ بأنَّه بشرٌ يموتُ كما ماتَ الأنبياءُ من قبلِه، وأنَّ الموتَ هو سُنَّةُ اللهِ في خلقِه، حتى خيرُ الخلقِ وأعلاهم منزلةً، محمدٌ صلى الله عليه وسلم، لم يكن استثناءً من هذا القانونِ الأزليّ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: 144(.


وفي خضمِّ الحديثِ عن غزوةِ أُحدٍ وما أصابَ المسلمينَ فيها من ابتلاءاتٍ عظيمة، تُواجههم السورةُ بهذه الحقيقةِ بوضوحٍ قاطع: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]. فالموتُ ليس فوضى، ولا يقعُ اعتباطًا، بل هو لحظةٌ محددةٌ في سجلِّ الأقدارِ لا تتقدَّمُ ولا تتأخر، ومن هنا تكتسبُ الحياةُ قيمتَها، ليس بطولِ العمرِ أو بوفرةِ المالِ، بل بمقدارِ ما يُنجزُ فيها من خيرٍ وما يُحققُ فيها من طاعةٍ ورضا لله.


وتبرزُ السورةُ مفارقةً عظيمةً بين الموتِ في سبيلِ اللهِ والموتِ في سبيلِ الدنيا. فالأولُ حياةٌ في جوارِ الله، كما قال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، أما الثاني فهو خسرانٌ وضياعٌ، لأنَّ الحياةَ مهما طالت فإنها ليست سوى متاعٍ زائلٍ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185(.


هكذا ترسمُ سورةُ آل عمران صورةً واضحةً للموتِ بوصفِه مرحلةً فاصلةً بين عالمين، لا نهايةً تُثيرُ الرعب، بل بدايةً تدفعُ إلى التأملِ العميقِ في معنى الحياةِ وجدواها. فهي تضعُ الإنسانَ أمامَ مسؤوليتِه، وتدعوهُ إلى العيشِ بحكمةٍ ونُبل، استعدادًا ليومٍ يُزحزحُ فيه عن النارِ أو يُدخلُ الجنة، وذلك هو الفوزُ العظيمُ الذي لا يُساويه فوزٌ آخر.


تم الاستفادة في هذه السلسلة من كتاب التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، تأليف نخبة من العلماء بإشراف أ.د. مصطفى مسلم، لمن أراد التوسع في هذا الموضوع.

Comments

Popular posts from this blog

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (1): صدمة القادم من الفضاء

الإسلام والبيئة (1): رسالة من المستقبل

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (2): الزنزانة الزرقاء وبداية الرحلة عبر تاريخ الإسلام