الإسلام والبيئة (31): حين رحل الجَمَال: كيف أفقدنا اختفاء الحيوانات روح الطبيعة؟
المدينة التي أقف فيها لم تعد مدينة، بل صارت متحفًا للخراب. الأشجار ذابلة، أوراقها تُركت لتذروها الرياح، السماء قاتمة كأنها فقدت قدرتها على الزرقة. لكن ما شدّني أكثر هو الصمت… صمت خانق، لم يعد هناك زقزقة عصافير، ولا خرير مياه، ولا صهيل خيول، ولا نهيق حمير، ولا حتى نباح كلاب.
سألت الحكيم:
— لماذا يبدو المكان كئيبًا إلى هذا
الحد؟
نظر إليّ بعينين مليئتين بالحزن وقال:
— لأن الحياة بلا حيوان، بلا طير يحلّق، بلا حصان
يعدو، بلا نحلة ترفرف، هي حياة بلا روح، بلا جمال. ألم تلحظ أن حتى الألوان هنا
باهتة؟
التفتُّ حولي… كان على حق. لم تكن المشكلة في غياب الأشجار وحدها، بل في غياب الطيور التي كانت تلوّن السماء، وغياب الفراشات التي كانت ترقص بين الزهور، وغياب الخيول التي كانت تُبهج الناظر برشاقتها.
سألت بحيرة:
— هل كان الإسلام يعتبر الحيوانات مجرد
أدوات يستخدمها الإنسان؟ أم أن لها قيمة جمالية أيضًا؟
ابتسم الحكيم، ثم قال لأحد الأطفال:
— أسمعهم بعضًا مما قاله الله عن جمال الحيوان.
تقدّم الطفل بصوتٍ عذب وقال:
"وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ
لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"
النحل: 8
أكمل الحكيم:
— أرأيت؟ لم يقل الله فقط "لتركبوها"،
بل قال "وزينة"، فالحيوانات ليست فقط لخدمة الإنسان، بل هي عنصر
من عناصر الجمال في الكون. هل تعلم أن النبي سليمان عليه السلام كان يتأمل الخيول
لجمالها؟ لقد قال الله عنه:
"إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ
ٱلصَّافِنَٰتُ ٱلْجِيَادُ"
ص: 31
سألت:
— وما معنى الصافنات الجياد؟
أجاب طفل آخر بحماس:
— هي الخيول التي تقف على ثلاث أرجل
وترفع الرابعة برشاقة وأناقة! العرب كانوا يعشقون هذا المنظر، وكانوا يعتبرون
الخيل رمزًا للجمال والقوة.
تنهّد الحكيم وقال:
— كان الإنسان يومًا ما يملك حسًّا مرهفًا لتذوّق
الجمال في الحيوان، لكن مع مرور الزمن، ومع انشغاله بالماديات، أصبح لا يرى
الحيوان إلا من منظور النفع والاستهلاك.
أجبته بعد تفكير:
— إذن لهذا السبب أصبحنا نرى الحيوانات إما في
مزارع مغلقة تنتج لنا الطعام، أو في مختبرات تُستخدم للتجارب؟ لم نعد ننظر إليها
ككائنات تحمل الجمال في وجودها نفسه؟
أومأ الحكيم برأسه وقال:
— تمامًا! وهذا يفسّر ما قاله الله تعالى:
"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ
مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ
وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ" آل عمران: 14
علّق أحد الأطفال قائلًا:
— حتى الأسماء التي نستخدمها اليوم في لغتنا
مستوحاة من الحيوانات! نقول عن المتكبر إنه يمشي كالطاووس، وعن الشخص الشجاع إنه
كالأسد، وعن القبيح إنه كالقرد، وعن الوفاء إنه كالكلب، أليس كذلك؟
ضحك الحكيم وقال:
— نعم يا بني! حتى لغتنا لم تستطع أن تنفصل عن
الحيوانات، لأنها جزء لا يتجزأ من وجودنا.
ثم استطرد موجّها كلامه لبقية الأطفال وكأنه يُريد تعليمهم شيئا جديدا:
—العرب اهتمّت بجانب الجمال المادي والمعنوي في الحيوانات، فأُعجبت برشاقتها وعدوها والتفاتها، كما أُعجبت بالجمال المعنوي فيها، فاشتقت الخيلاء من مشية الخيل، واشتقت الأنفة من أنف الجمل العالي، وسُميّت أنواع من التصرف بأسماء بعض الحيوان، فسُمي التنازع على تحصيل المكاسب المادية تكالبا، أخذا من تهارش الكلاب على الطرائد.
وقفت هناك أتأمل الخراب من حولي… في غياب الحيوانات، لم تذهب فقط الحياة، بل ذهب معها الجمال… والروح.

Comments
Post a Comment