الإسلام والبيئة (49): الأرض المهجورة.. كيف أعادها الإسلام إلى الحياة؟

 

سلسلة الإسلام والبيئة

السماء بلون الرماد، والشمس بالكاد تُرى خلف غبار كثيف يملأ الأفق. الأرض صحراء ممتدة، لا ظل ولا خضرة، فقط آثار هياكل زراعية مهجورة وحقول جرداء كانت يومًا خضراء يانعة. مشيت مع الحكيم وسط هذا الخراب، والأطفال يتبعوننا بخطوات متثاقلة، كأنهم يحملون على أكتافهم إرث أجيال أهملت الأرض حتى لفظت أنفاسها الأخيرة.

توقف الحكيم فجأة وأشار إلى أطلال ما كان يومًا بستانًا، وقال بصوت يملؤه الأسى:

"هنا... كانت هناك أشجار مثمرة، وحقول ممتدة، وكان الناس يزرعون ويحصدون. لكن الأرض لم تمُت وحدها، بل ماتت عندما تخلى عنها أصحابها."

سألته الطفلة الصغيرة، وهي تنظر إلى التربة المتشققة تحت قدميها:

"ألم يكن هناك نظام يمنع ترك الأرض هكذا؟"

ابتسم الحكيم رغم الحزن في عينيه، وقال:

"كان هناك نظام، لكن الناس تخلّوا عنه كما تخلّوا عن الأرض نفسها."


إيجار الأرض.. استثمار طويل الأمد

جلسنا جميعًا تحت ظل شجرة وحيدة صمدت وسط هذا الخراب، وبدأ الحكيم يشرح:

"الإسلام أدرك أن استصلاح الأرض يحتاج إلى وقت، فلا يكفي أن يمنح الفلاح قطعة أرض لسنوات قليلة ثم يُطلب منه إعادتها. لهذا أقرّ العلماء بجواز تأجير الأراضي الفلاحية لفترات طويلة قد تصل إلى عشرين عامًا أو أكثر."

تدخل أحد الأطفال وقال:

"لكن لماذا يحتاج الفلاح كل هذا الوقت؟ أليس بإمكانه أن يزرع ويحصد في موسم واحد؟"

ضحك الحكيم وقال:

"وهل الزراعة مجرد غرس البذور وحصادها؟ استصلاح الأرض يعني حفر الآبار، شراء المعدات، بناء المساكن والمخازن، إيصال الكهرباء، وغرس الأشجار المثمرة التي تحتاج سنوات لتؤتي ثمارها. إذا لم يكن للفلاح ضمانٌ أنه سيبقى في الأرض لمدة كافية، فلن يغامر باستثمار أمواله وجهده فيها."


نظرت حولي إلى الخراب الممتد وسألت:

"وهل هذا ما جعل هذه الأراضي تُهجر؟"

أومأ الحكيم قائلاً:

"نعم. عندما تحوّلت العقود إلى مدد قصيرة، لم يعد أحد يهتم بغرس الأشجار أو تطوير الأراضي، لأنهم يعلمون أنهم قد يفقدونها قبل أن يستفيدوا منها. وهكذا، بمرور الوقت، تحوّلت الحقول إلى صحراء، وهُجرت القرى، واندثرت المزارع."


حقوق المستأجر.. حماية للاستثمار

رفع طفل آخر يده وقال:

"لكن إذا كانت الأرض مستأجرة، فكيف يكون للفلاح حق فيها؟"

أجابه الحكيم:

"الفقه الإسلامي لم يترك الأمر بلا ضوابط، بل أعطى المستأجر حقوقًا تشجعه على الاستثمار طويل الأمد، مثل حق الحكر وحق الجَدَك، وهي حقوق تمنح المستأجر أولوية في الانتفاع بالأرض التي استصلحها."


رفع الطفل يده مستفسرًا:

"يا حكيم، ما معنى حق الجَدَك؟ لم أفهمه جيدًا!"

ابتسم الحكيم وقال:

"تخيل أنك استأجرت أرضًا وزرعت فيها بستانًا جميلًا من الأشجار المثمرة، ثم جاء صاحب الأرض فجأة وقال لك: ارحل! ماذا سيحدث لكل تعبك؟"

فكر الطفل قليلًا ثم قال بحزن:

"سأخسر كل شيء..."

هزّ الحكيم رأسه قائلاً:

"ولهذا جاء الإسلام بحق الجَدَك، فلا يجوز لمالك الأرض أن يطردك دون تعويضك عن الأشجار التي غرستها أو التحسينات التي أضفتها، أو يمنحك فرصة لإكمال عملك. هذا الحق شجع الناس على استصلاح الأرض دون خوف من ضياع جهدهم."


ثم أضاف وهو يشير إلى إحدى المزارع المهجورة في الأفق:

"في بعض البلاد، أصبحت الحكومات نفسها تمنح الأراضي لمن يرغب في استثمارها، بثمن رمزي أو حتى مجانًا، تشجيعًا للزراعة. ولو عاد الناس إلى هذا النهج، لعادت الأرض إلى الحياة من جديد."

هل يمكن إنقاذ الأرض قبل فوات الأوان؟

سكت الحكيم، ونظر إلينا جميعًا. شعرت بأن كلماته لم تكن مجرد قصة عن الماضي، بل رسالة واضحة إلى الحاضر. الأرض لم تمت وحدها، بل ماتت عندما قرر الناس أن امتلاكها أهم من إعمارها، وعندما أصبح الاستغلال السريع أهم من الاستثمار الطويل الأمد.


نظرت إلى الأطفال من حولي، وقلت بصوت يملؤه الأمل:

"ربما لم يفت الأوان بعد...".

رفع الحكيم حاجبيه وقال:

"هذا ما ننتظره منك... أن تحمل هذه الرسالة إلى زمانك قبل أن تصلوا إلى ما وصلنا إليه."

Comments

Popular posts from this blog

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (1): صدمة القادم من الفضاء

الإسلام والبيئة (1): رسالة من المستقبل

حوار مع فضائي عن فصل الدين عن الدولة (2): الزنزانة الزرقاء وبداية الرحلة عبر تاريخ الإسلام