نهضة بلا إذن (44): في ظلال التمكين
ليست كل أنواع التمكين سواء، وإن بدت كذلك في ظاهرها. فكما أنّ هناك نهوضًا لله، فثمّة نهوض للنفس، وكما أنّ للتمكين أبوابًا ربّانية، فله كذلك أبواب بشرية هزيلة، لا تصمد أمام المحن، ولا تُنبت صلاحًا ولا عدلًا في الأرض.
لقد فرّق القرآن بين تمكينٍ وتمكين، لا من حيث القوة والسلطة فحسب، بل من حيث النية والمقصد، والوسيلة والنتيجة، والانتماء والغاية.
قال تعالى في
سورة القصص:
﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: 5ــ6)
وقال في سورة
النور:
﴿وَعَدَ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (النور: 55)
تأمّل الفارق الأول:
في سورة القصص، لم تُذكر صفة الإيمان، ولا اجتهاد المستضعفين، بل جاء التمكين في سياق مِنّة إلهية خالصة، لا تُمجّد جهدًا بشريًا، ولا تشترط صلاحًا أو طهارة. إنه تمكين لأُناس حُرموا الكرامة والحرية، فجاءت الرحمة الربانية تنتشلهم من وهدة الذل.
أما في سورة النور، فالتمكين مشروط: إيمان صادق، وعمل صالح، وسير على خطى السابقين، وفهم لسُنن الله في التغيير والنهضة.
الفرق الثاني: ما الذي مُكِّنوا منه؟
في سورة القصص:
﴿وَنُمَكِّنَ
لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
تمكين دنيوي،
سلطة ونفوذ.
أما في سورة
النور:
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
تمكين في الدين.
هو تمكين لقيم العدل، والرحمة، والصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، كما قال تعالى:
﴿الَّذِينَ
إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الحج: 41)
وهنا يُستكمل الفهم:
– التمكين الأول، قد يأتي للمستضعف
كرمًا من الله، لكنه يظل تمكينًا هشًّا ما لم يُتوَّج بإيمان وعمل صالح.
– والتمكين
الثاني، لا يناله إلا من تعمّق في العبادة، والإصلاح، وبذل النفس لله، لا للنفس.
هو تمكين للأمانة لا للسلطة، للدين لا للذات.
ويضيف بعض أهل التفسير فرقًا ثالثًا:
أنّ التمكين في سورة القصص كان جماعيًا عامًا، نتاج دعوة موسى عليه السلام وصبر بني إسرائيل، بينما التمكين في سورة النور يُمنح لمن يحقق شروط الإيمان والعمل الصالح، سواء كانوا جماعة أو أفرادًا، طالما حققوا شرائط الاستخلاف.
أما الفرق الرابع فهو أنّ تمكين القصص سبقه طغيان واستضعاف ومحن طويلة، فهو بداية بناء، بينما تمكين النور يأتي بعد تأسيس دولة الإيمان واستخلاف المؤمنين في الأرض، فهو ترسيخ للثوابت وتجذير للمنهج.
لهذا، فليس كل من مُكِّن منتصرًا، ولا كل من علا، ناجحًا عند الله.
فلنحذر أن ننشد التمكين لأنفسنا، أو نُسرّ بأن نُرى أئمةً أو ورثةً أو ملوكًا، ثم نُهزم أمام أنفسنا بعد أن ننتصر على عدوّنا.
الخطوات العملية:
1. راجع نيتك: هل تسعى لتمكين ذاتك، أم لتمكين الحق؟
2. ابنِ إيمانك وعملك الصالح، ولا تركن إلى المظلومية وحدها، فليس كل مظلوم بمستحق للتمكين.
3. تعلّم سنن الله في التغيير، فهي مفاتيح وعد النور.
4. لا تفرح بسلطة لا تُقيم الصلاة، ولا تزكي النفوس، ولا تنهى عن المنكر. فذلك ليس تمكينًا ربانيًا، بل استدراج.
5. ادعُ الله بصدق أن يجعلك من أهل سورة النور، لا من أهل سورة القصص فقط.
اللهم لا تجعلنا ممن يسعون إلى العلو في الأرض، بل ممن مكنّت لهم دينك الذي ارتضيته، فقاموا له حق القيام.

Comments
Post a Comment