الْيَوْمُ الثَّالِثُ: مَنْ يُفَكِّرُ دَاْخِلَ رَأْسِي؟
منذ أنْ غادرني ذلك الكائن الغامض، وسؤاله الأخير يَطِنُّ في أُذُني كَجَرَسٍ لا يكفُّ عن الرنين:
هل نحن فعلًا نَفْصِلُ الدين عن الدولة لأنّ الإسلام يأمر بذلك؟ أم أننا نُكَرِّرُ ما زرعه فينا الاستعمار وأقنعنا أنه "الحقيقة"؟
حاولتُ أنْ أطرد السؤال، ففشلتُ. حاولتُ أنْ أنام، ففشلتُ أيضًا. كلما أغلقتُ عينيَّ رأيتُ وجهي وأنا أجيب بثقة:
"الدين لله والسياسة للناس."
ثم أسمع صوته من جديد:
"كيف يُنَظِّمُ دينكم طريقة دخول الحمّام... ويترك طريقة إدارة المجتمع؟"
كنتُ أكره السؤال، وربما لهذا السبب لم أستطع التوقف عن التفكير فيه. وبينما أنا غارقٌ في دَوَّامة التفكير، انْبَثَقَ أمامي كائنٌ آخر وكأنه انْشَقَّ من الفراغ؛ لا صوت، لا ضوء، لا باب يُفتح. في لحظةٍ كانت الزنزانة فارغة، وفي اللحظة التالية كان يقف أمامي.
انتفضتُ من مكاني، وتأملتُ ملامحه؛ بدا أشبه بالبروفيسور ولكن أصغر سنًا بعدة سنوات.
(البروفيسور هو اللقب الذي أطلقته فيما بعد على الكائن الذي ظلَّ يستجوبني لشهورٍ عديدة، لديّ أسبابي التي ستعرفها حتمًا، ولكن في الوقت المناسب.)
كان أقصر قليلًا، وأقل هيبةً، لكنه أكثر برودةً. كان يرتدي درعًا معدنيًا رماديًا يلتصق بجسده كجلدٍ ثانٍ، بينما انعكس الضوء الأزرق على ملامحه الجامدة فبدا كتمثالٍ صُنع ليخلو من أي شعور.
نظر إلَيَّ للحظاتٍ طويلة، ثم سألني ببرود:
"هل تحتاج إلى شيءٍ آخر غير الطعام والشراب الذي حصلتَ عليه؟"
اغتنمتُ الفرصة وطلبتُ الإذن بالوضوء لأداء الصلاة. رمش للمرة الأولى كأنه فوجئ بالطلب، ثم اختفى، وعاد بعد ثوانٍ يحمل دلوًا صغيرًا وسجادة مطوية بعناية. فتحتها، وتوقفت؛ كانت سجادة صلاةٍ أنيقة، كُتب عليها بخطٍ عريض:
"صُنع في الصين".
حدقتُ فيها بذهول، ثم لم أتمالك نفسي من الابتسام وسط هذا المشهد العبثي. ربما كانت أول مرة أبتسم فيها منذ تَمَّ اختطافي.
نظر إلَيَّ الكائن باستغرابٍ واضح، كأنه لا يفهم لماذا يضحك البشر في أكثر اللحظات سوءًا.
توضأتُ، وفرشتُ السجادة، ثم وقفتُ أصلي. لا أعرف اتجاه القبلة، ولا أعرف الوقت، ولا أعرف حتى على أي كوكبٍ أقف؛ ومع ذلك... لأول مرة منذ زمنٍ طويل شعرتُ أنّ المسافة بيني وبين الله تقل. اختفى ضجيج الأخبار، اختفت المناظرات، واختفت الشعارات، ولم يبقَ إلا الخوف.
والإنسان حين يُجَرَّدُ من كل شيء... يكتشف ما الذي كان يؤمن به حقًا.
لم أكد أَفرُغُ من صلاتي حتى تجمد الدم في عروقي؛ لأنّ صوتًا انطلق داخل رأسي مباشرة، ليس في أذني، ولا من خلفي، بل من مكانٍ ما داخل عقلي:
"هل انتهيت؟"
اِرْتَجَفَتْ أوصالي، فقفزتُ واقفًا أتلفّتُ حولي يمنةً ويسرةً، ولكن كانت الزنزانة فارغة مما أثار رعبي. ثم عاد الصوت:
"هل ستقضي بقية عمرك تصلي... أم أنك مستعد لرحلة عبر الزمن؟"
ابتلعتُ ريقي. رحلة عبر الزمن؟ بدأت الأسئلة تتدافع داخل رأسي:
ماذا لو
أخطأنا الحقبة؟
ماذا لو وصلنا إلى زمنٍ آخر؟
كيف سأعرف أننا في السنة الصحيحة أصلًا؟
وماذا لو كان التاريخ الذي نعرفه أقل دقةً مما نظن؟
وماذا لو كانت معلوماتي عن
السيرة أقل بكثير مما أتصور؟
شعرتُ بإحراجٍ مفاجئ. كم مرة سمعتُ أحداث السيرة؟ وكم مرة درستُها حقًا؟
لأول مرة أُدرك مِقدار تقصيري في دراسة السيرة النبوية؛ لم يخطر ببالي أنني قد أحتاج يومًا لمعرفة التواريخ والوقائع بهذا القدر من الدقة.
تذكرتُ قول عليّ بن الحسينِ بن عليّ:
"كنا نُعلَّم مغازي رسول الله ﷺ كما نُعلِّم السورة من القرآن."
أما أنا... فكنتُ أعرف العناوين أكثر مما أعرف القصة. أدركتُ وقتها كم أعرف عن ديني كشعارات... وكم أجهل منه كحياة.
هززتُ رأسي قائلًا لنفسي:
"لن يفيد الندم الآن في شيء".
ثم بدأتُ أسترجع ما أحفظه: وُلد النبي ﷺ عام الفيل، 571 ميلاديًا، وبُعث وهو في الأربعين من عُمره، أي حوالي عام 610 ميلاديًا.
هنا هدأ قلبي قليلًا؛ هذه هي اللحظة التي يجب أنْ نصل إليها.
وقبل أنْ أُتمَّ أفكاري، سمعتُ صوته يُجلجل في داخلي:
"هل انتهيتَ من حساباتك الدقيقة؟"
أغمضتُ عينيَّ، فقد بدأتُ أكره الطريقة التي يجعلني أشكُّ بها حتى في خصوصية أفكاري، لكنني أجبتُه بثباتٍ مُفتعَل:
"نعم، أنا مُستعد."
سكت لحظة، ثم قال:
"غريب أمركم أيها البشر."
ظهر بعدها البروفيسور من جديد رافعًا حاجبه الأيسر، وقال بسخريةٍ واضحة:
"تُؤمنون بالسفر عبر الزمن وكأنه أمر طبيعي. هل جرَّبتَه من قبل؟"
قالها باستهزاءٍ، كأنّ أكثر ما يثير دهشته في البشر ليس جهلهم... بل سرعتهم في التسليم.
بالطبع لم أجربه، لذا صمَتُّ لحظة لأفكر في ردٍّ مناسب. أشرتُ إلى ما حولنا ثم قلتُ:
"رأيتُ ما تملكونه من تقنية."
ابتسم ابتسامةً باردة، كأنها خُطَّت على وجهه خِصيصًا ليزيد من ارتباكي: "وهل رؤية تقنيةٍ متقدمةٍ تجعل كل شيء ممكنًا؟"
لم أجب، فأكمل:
"هذا ما يُميّزكم... أنكم تُصَدِّقون ما يُثير فضولكم أو مخاوفكم حتى وإنْ لم يَكُنْ هناك دليل. رأيتَ تقنيتنا، فافترضتَ أننا قادرون على كل شيء. صدَّقتني فقط لأنني أبدو أذكى منك، أليس كذلك؟ أم أنكم تعوّدتم الانحناء لمن يبدو أكثر تقدمًا؟"
شعرتُ بوخزةٍ في صدري لأن السؤال لم يكن عن السفر عبر الزمن، كان عن شيءٍ آخر... شيءٍ أكبر. ابتلعتُ ريقي بصعوبة، ولم أستطع الرد، ربّما لأنّ جزءًا مني كان يعلم أنه محق؛ نحن نُسارع دائمًا إلى التسليم لمن يبدو أكثر معرفة… حتى قبل أنْ نفهمه.
لوّح بيده، فتحولت جدران الزنزانة إلى بحرٍ من الصور؛ صحف، وقنوات، ومناهج، وشعارات، كلمات تتكرر بلا نهاية: الديمقراطية العلمانية، الإسلام المعتدل، الدين لله، والسياسة للناس. كانت الكلمات تتحرك حولنا كالأشباح، ثم قال:
"هكذا تُستعمر الحضارات."
نظرتُ إليه بتساؤلٍ حقيقي، فأضاف:
"ليس دائمًا بالدبابات."
سكتَ لحظة، ثم أضاف:
"أحيانًا يكفي أنْ تجعل شعبًا ينظر إلى نفسه بعيني خصمه."
تحركت الصور من جديد، فبَدَتْ وكأنها تُكتب فوق العقول لا فوق الورق:
"لم يحرقوا كتبكم."
قالها بهدوء، ثم أردف:
"أعادوا كتابة الهوامش فقط."
تمتمتُ بصوتٍ منخفض:
"بعض الناس فصلوا الدين عن السياسة لأنهم رأوا ماذا يحدث حين تتحول السلطة إلى شيءٍ مقدّس لا يُحاسَب."
أجاب بنبرةٍ تهكمية:
"أنتم لم تهربوا من الاستبداد... بل غيّرتم لغته فقط. حين خاف أسلافكم من استغلال الدين، سلّموا السلطة لمن يستغل الإنسان نفسه."
نظر إلَيَّ لثوانٍ بعدها، ثم قال بصوتٍ كأنه يأتي من أعماق الأرض:
"لم تُسْجَنُوا بسلاسل الحديد... بل بالأفكار التي قبلتموها دون أنْ تختاروها؛ أفكار لم تختبروا حقيقتها، ومع ذلك انصعتم لها طائعين."
قلتُ بانفعالٍ شديد لم أَدْرِ سببه:
"وهل نحن الوحيدون؟ أليست كل الحضارات مبنية على أفكار موروثة؟ حتى أنتم… من قال إنكم أحرار من تلقين أسلافكم؟"
التقطتُ أنفاسي لأستعيد بعض هدوئي ثم أضفتُ:
"ليست كل فكرةٍ جاءت من الغرب مؤامرة، بعض أفكارهم نجحت لأننا كنا متعَبين بما يكفي لنُسَلِّمَ لهم عقولنا."
استدار نحوي فورًا:
"لم أقل إنها مؤامرة."
ثم أضاف:
"بل قلت إنها أفكار."
وأشار إلى رأسي:
"والسؤال الوحيد الذي يهمني هو: هل هي أفكارك أنت؟"
ساد صمتٌ طويل، ثقيل، مؤلم، ثم أكمل:
"كم فكرةً في رأسك اخترتها بنفسك فعلًا؟"
لم أعرف ماذا أقول، فقال أخيرًا:
"العاقل لا يرفض فكرةً لأنها جاءت من عدو."
ثم رفع إصْبَعه:
"ولا يقبلها لأنها جاءت من متفوق."
اقترب أكثر، حتى شعرتُ أنّ عينيه الخضراوين تملآن العالم كله، وقال:
"العاقل يختبرها."
ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة:
"أما العبيد... فيستبدلون الأسياد فقط."
ثم انحنى نحوي حتى شممتُ رائحة أنفاسه، وقال:
"الآن فكِّر بنفسك؛ انسَ كل ما لُقِّنْتَ إياه. هل تُؤمن حقًا بإمكانية السفر عبر الزمن؟ أم أنك تُؤمن به لأنني قلتُ لك إنه ممكن؟"
كانت حنجرتي جافَّةً كالصحراء. لم يَكُنْ السؤال عن الزمن فقط... كان عن عقلي أنا؛ عن إيماني، وعن قدرتي على التفكير بحرية. وفي محاولةٍ أخيرةٍ يائسة، قلتُ له:
"وهل يختلف هذا كثيرًا عمّا نفعله مع العلماء والخبراء في كل شيء؟"
أجابني بهدوءٍ مستفز:
"لا، لكن الإنسان العاقل يعرف الفرق بين الثقة… والإيمان الأعمى."
ثم اختفى فجأة كما ظهر، وبقيتُ وحدي أُحَدِّقُ في الجدران الزرقاء، لكن شيئًا في داخلي لم يعد كما كان؛ لأنّ السؤال لم يعد متعلقًا بالسفر عبر الزمن، ولا بالدين والسياسة، بل بشيءٍ أكثر رعبًا:
هل كنتُ أُفَكِّرُ فعلًا طوال حياتي؟ أم أنني كنتُ فقط أُعيد ترتيب أفكارٍ زرعها غيري في رأسي؟
وإذا كان ذلك صحيحًا... فكم فكرةٍ ظننتُها يومًا جزءًا مني، لم تكن أبدًا لي؟
ولأول مرة في حياتي... شعرتُ أنني أتحسس جدران عقلي نفسه، وأكتشف أنّ بعضها بُني قبل أنْ أُولَدَ.
رابط الرواية على أمازون.

Comments
Post a Comment