الْيَوْمُ الرَّابِعُ: فَخُّ الزَّمَنِ

رواية قبو الاستجواب

"لماذا تُؤمن بإمكانية السفر عبر الزمن وكأنها حقيقة لا مِراء فيها؟ هل جرَّبته بنفسك من قبل؟"

ظلَّ السؤال معلقًا بيننا. لم يكن سؤالًا عن الفيزياء، ولا عن التكنولوجيا، كان سؤالًا عن شيءٍ أخطر؛ عن المصدر الذي أستمدُّ منه يقيني. 

شعرتُ وكأنّ جدارًا خفيًا بدأ يتشقق داخل رأسي، وأحسستُ أن أفكاري قد تبعثرت دفعةً واحدةً. لم تكُن تلك مجرَّد أسئلةٍ، بل كانت زلزالًا يضرب ثوابتي، يقيني، وكل ما نشأتُ أعتبره بَديهِيًّا. لم أشعر أنني أُواجِه خصمًا؛ بل مرآةً تعكس تناقضاتي وهروبي من مواجهة ذاتي.

لكن... أليس هو نفسه الذي مجَّد العقل قبل لحظاتٍ؟ أليس هو من ألحَّ عليَّ بألا أترك لِسِواي مفاتيح عقلي؟

أغمضتُ عينيَّ لأستجمع قُواي في صمتٍ، أخذتُ شهيقًا عميقًا... زفيرًا بطيئًا، ثم فتحتُ عينيَّ وحَدَّقتُ فيه بثباتٍ:

"نعم. أُؤمن بإمكانية السفر عبر الزمن... ولو نظريًا."

صدر منه صوتٌ خافتٌ يُشبه صرير المفصل الذي نسمعه عند فتح بابٍ عتيق، شيءٌ بين الضحكة والتنهد، لكنه استعاد توازنه سريعًا.

أكملتُ بهدوءٍ وقد ازدادت ثقتي من ردّة فِعله:

"صحيح أنني لم أجربه، لكن ألسنا نؤمن يوميًا بأشياء لم نرها بأعيننا؟ الجاذبية نفسها لم يَرها أحدٌ، ومع ذلك نؤمن بها لأننا رأينا آثارها. وكذلك الزمن."

أخفى دهشته بابتسامةٍ متكلِّفةٍ، وقال:

"ومن أين لبشريٍّ مِثلك بهذه الثقة؟ هل اكتشفتم أسرار الزَّمَكانِ في مختبراتكم الصدئة؟"

ضحكتُ ضحكةً صافيةً هذه المرة؛ لم تكُن ثقتي وليدة مختبرات الأرض، بل مما هو أعمق من ذلك بكثير؛ شيءٌ لم أكن أتوقع يومًا أنْ أستدعيه داخل زنزانةٍ على كوكبٍ مجهول.

قلتُ بهدوءٍ وأنا أرسم على وجهي ابتسامةً مستفزةً:

"ليس من الفيزياء فقط."

مال نحوي قليلًا:

"بل؟"

قلتُ:

"من ديني."

ساد الصمتُ بعدها، حتى الضوء الأزرق بدا وكأنه توقف عن النبض لِلَحْظَةٍ.

أوضحتُ له وأنا أزداد ثقةً بنفسي مع كل كلمةٍ:

"علماء كوكبنا لم يُثبتوا استحالته أصلًا. لكنه بالنسبة لي ليس مجرد احتمالٍ رياضي، بل شيءٌ سمعتُ عنه داخل ديني قبل أنْ تتحدث عنه الفيزياء الحديثة."

انعقد حاجِباه، ثم قال بسخريةٍ مشوبةٍ بالفضول:

"غريب. حين يصبح الكون معقدًا يعود الدين فجأة ليصبح عظيمًا بحجم الكون."

ثم أضاف وابتسامته تتسع:

"أليس هذا هو الدين نفسه الذي زعمتَ بالأمس أنه مجرَّد شأنٍ شخصي يُترك للمساجد والقلوب؟"

تجاهلتُ تعليقاته الساخرة، وأجبتُ بابتسامةٍ هادئةٍ:

"هل سمعتَ عن رحلة الإسراء والمعراج من قبل؟"

أطرق قليلًا ثم قال:

"أتقصد الليلة التي تزعمون أنّ نبيَّكم محمداً انتقل فيها من مكة إلى القدس؟"

لم أتوقف وقتها عند إجابته التي تنمُّ عن معرفةٍ حقيقيةٍ بثوابت الإسلام، وأجبتُه بثباتٍ:

"بل وأكثر من ذلك بكثير."

ورغم أنني كنتُ أتحدث من زنزانةٍ على كوكبٍ مجهول، شعرتُ لِلَحْظَةٍ أنّ الكلمات تعيدني إلى أرضٍ أعرفها حقّ المعرفة:

"نحن نؤمن أنه في تلك الليلة قد أُسريَ برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِجَ به إلى السماوات العُلى، فرأى من آيات ربه الكُبرى. رأى الأنبياء وكلّمهم، ورأى مشاهدَ من يوم القيامة التي لم تقع بعد."

أخذتُ نفساً ثم تابعتُ:

"رجلٌ في ليلةٍ واحدةٍ رأى الماضي والمستقبل وما وراء العالم المحسوس... فكيف لا يكون ذلك شكلًا من أشكال اختراق الزمن؟ أليس هذا شاهدًا على أن الانتقال عبر الماضي والمستقبل أمرٌ ممكنٌ بإذن الله؟"

كنتُ أتكلم بحماسةِ من وجد أخيرًا أرضًا صلبةً وسط هذا الجنون، ثم أضفتُ بسرعةٍ قبل أنْ يقاطعني:

"أنا لا أزعم أننا نفهم الكيفية، لكن الجهل بالكيفية لا يعني استحالة الشيء."

ضاقت عيناه وكأنه يَزِنُ كلماتي، فتابعتُ:

"حتى بعض عُلماء أرضنا قالوا بإمكان السفر نحو المستقبل؛ أينشتاين أثبت أنّ الزمن قابلٌ للتمدد، لكن العودة إلى الماضي موضع جدلٍ، تعترضها مفارقاتٌ منطقيةٌ مثل مفارقة الجَدِّ. قد نرى الماضي يومًا ما، لكن تغييره... أراه ضربًا من الخيال."

أطرق برأسه قليلًا، ثم قال:

"إذن أنت تستند إلى الدين والعلم معًا."

أجبته بسرعةٍ وثقةٍ:

"نعم."

ابتسم ابتسامة من قاد غريمه إلى الفخ وقال:

"وهل تفعلون ذلك دائمًا؟"

لم أفهم قصده، لكنه تابع:

"حين يؤيد العلم نصًا دينيًا تتمسكون به بقوة."

اقترب خطوةً:

"لكن ماذا تفعلون حين لا يؤيده؟"

لم أجب، فقال:

"هل مصدر يقينك هو الوحي أم موافقة العصر؟"

شعرتُ بانزعاجٍ مفاجئ؛ ليس لأن السؤال جديدٌ، بل لأنني لم أفكر فيه بهذه الصيغة من قبل. توقف بعدها وظلَّ ينظر إلَيَّ طويلًا، ثم انحنى قليلًا إلى الأمام، وقال بصوتٍ منخفض:

"أليس عُلماؤكم أنفسهم مختلفين في تفسير هذه القصة؟"

اشتعل الغضب داخلي فصرختُ دون وعيٍ:

"وهل صرتَ فقيهًا في ديننا أيها الفضائي؟"

ولدهشتي، ابتسم هذه المرة ابتسامةً خاليةً من السخرية؛ ابتسامة مُعلِّمٍ يُتابع تقدُّم طالبه:

"نحن هنا لاختبار قناعاتك. إنْ انهارت عند أول ضغطٍ... فهل كانت قناعاتٍ أصلًا؟"

تَصَلَّبتُ، لكني لم أستطع إنكار منطقه، وأجبتُ بصوتٍ متَهدِّج:

"صحيح... لكن هناك ثوابت لا نقاش فيها: ما نصَّ عليه القرآن بوضوح، وما أجمع عليه عُلماء الأمة."

ثم أضفتُ بحدّةٍ:

"إذا صار كل شيء قابلًا لإعادة التأويل، أو ما يطلقون عليه الهرمنيوطيقا، فلن يبقى من الدين شيء ثابت أصلًا، وسيصير الإنسان قادرًا على تشكيل الحقيقة بالطريقة التي تُريحه فقط."

 تعثَّر الفضائي في نطق الكلمة:

"هِر... هِرْم... هِرْمِن..."

ضحكتُ رغم توتُّري وقلتُ له:

"لا بأس، فحتى بعض أهل الأرض يتعثَّرون في نطقها."

بدا وكأنّه قد استسلم بعد عدّة محاولات، لكنه ظلَّ يردد "إعادة التأويل" بصوتٍ متهدّج، وكأنه يستدعي ذكرى مؤلمة.

"دعنا من الهِرِّ والفأرِ ومتاهات المصطلحات البشرية. يبدو أنّ حضارتكم تُحب تعقيد أبسط أفكارها بالأسماء."

رفع بعدها نظره إلَيَّ، ثم لوّح بيده فانفتح أمامنا فضاءٌ من الكلمات المضيئة.

ظهرت عبارة:

"أقيموا الصلاة"، ثم تحولت أمام عيني إلى: "المقصود بالصلاة التأمل الداخلي."

ظهرت بعدها عبارة أخرى:

"كُتب عليكم الصيام"، ثم تحولت إلى: "المقصود بالصيام الامتناع عن السلوكيات السلبية."

ثم ظهرت:

"ولله على الناس حج البيت"، فتحولت إلى: "الحج رحلة روحية رمزية، وليس بالضرورة إلى مكان محدد."

سألني بنبرةٍ صادقةٍ:

"هل هذا ما يعنيه كلامك؟"

رغم شعوري بالانزعاج الشديد، إلا أنّ صدقه في السؤال جعلني أتمالك نفسي وأقول:

"هذا هو ما نخشاه بالتحديد؛ العبث بهذه الثوابت تقويضٌ لجوهر الدين."

التفتُّ إليه أنا هذه المرة وسألته:

"أتدري لماذا؟"

أجابني بسرعةٍ:

"لأنّ النص لم يعد يقول ما يقوله."

بدا لي كلامي مستفزًّا عندما قلتُ له:

"لكنه ما زال يقول شيئًا."

نظر إلَيَّ نظرةً طويلةً، محاولاً استشفاف ما يدور برأسي:

"لكن ليس ما قصده."

سألته بنبرةٍ أشد هدوءًا:

"وكيف عرفتَ أنت ما قصده؟"

صمتَ لحظةً، فأكملتُ:

"أترى المشكلة؟"

وأشرتُ إلى الكلمات المتغيرة أمامنا:

"كل حضارةٍ تبدأ بتفسير النص."

تحولت العبارات إلى عشرات النسخ المختلفة، ثم مئات، ثم آلاف، حتى صار كل شخصٍ يحمل نسخة مختلفة من المعنى نفسه. وقلتُ بنبرة أسىً:

"وفي النهاية... لا يبقى السؤال: ماذا قال النص؟"

ثم نظرتُ إليه مباشرة:

"بل: مَنْ يملك حق إعادة كتابته؟"

وفي اللحظة التالية، أضاء الفضاء من حولنا بآيةٍ واحدةٍ:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9)

تعلّقت أبصارنا بالآية، ثم ساد الصمتُ بيننا طويلًا هذه المرة؛ بدا وكأنّ كل منّا يحاول استيعاب ما قيل منذ لحظاتٍ. 

ثم فجأةً لوّح بيده، فانفتح أمامنا فضاءٌ أسود هائل.

ظهرت مدينة القدس، ثم ارتفع فوقها المسجد الأقصى؛ كان مضيئًا وسط العتمة كجزيرةٍ من نور. شعرتُ بشيءٍ ينقبض في صدري؛ فهذا المكان لم يكن مجرد موقعٍ تاريخي بالنسبة لي، كان جزءًا من ذاكرتنا الجماعية كلها.

قال الفضائي:

"أهذا هو المكان الذي ذكرتَه قبل قليل؟"

ثم أضاف:

"قبلتكم الأولى."

أجبته بحذرٍ هذه المرة:

"نعم."

"وثالث أقدس مواضعكم."

"نعم."

ظلَّ يحدق في المسجد طويلًا، ثم سأل بهدوءٍ:

"إذًا لماذا يبدو وحيدًا إلى هذا الحد؟"

لم أجب؛ شعرتُ أنّ السؤال أكبر من أنْ يُجاب عنه بجملةٍ. اقتربت الصورة أكثر، ورأيتُ الجنود، والحواجز، والأسلاك، والأعلام.

ثم سمعتُ صوته:

"كيف حافظ دينكم على قدسية هذا المكان لأكثر من ألف عامٍ... ثم عجز عن حمايته حين تفرّقت سلطته؟"

صَعَقَتني عباراته كالبرق. أردتُ الرد، لكن لساني انعقد؛ كنتُ أعلم في داخلي أنه يطعن جرحًا مفتوحًا، لكنني لا أملك له جوابًا.

تابع بصوتٍ منخفضٍ:

"أتعلم ما يدهشني عند دراسة تاريخكم؟"

لم أعلق، فأكمل:

"أنكم حافظتم على الفكرة."

وأشار إلى المسجد:

"لكنكم فقدتم القدرة على الدفاع عنها."

ظهرت أمامنا خرائط تتبدل بسرعة؛ ولايات، إمارات، ممالك، حدود، أسلاك، جوازات سفر، وأختام.

ثم قال:

"رسموا خطوطًا على الورق."

كانت الخرائط تنقسم أمام أعيننا:

"ثم أقنعوكم أنّ حراسة هذه الخطوط أهم من حراسة ما كان يوحّدكم."

شعرتُ بثقل الأطواق الضوئية حول معصمي، فأضاف:

"جعلوا انتقال المسلم إلى أخيه أصعب من انتقال الغريب."

اقترب أكثر، وختم كلامه بهمسٍ باردٍ اخترقني كالنَّصل الحادّ:

"أليس هذا نتاج فصل دينكم عن سياستكم؟"

ثم نظر مباشرةً إلى القيود التي تكبلني، وأضاف:

"السلاسل ليست دائماً من حديدٍ."

ساد صمتٌ طويلٌ هذه المرة، ثم قال:

"كل عقيدةٍ لها ثمنٌ."

وتوقف كأنه يمنح العبارة وقتًا لتستقر في ذهني، ثم أكمل:

"فهل ما زلتم مستعدين لدفع ثمن عقيدتكم؟"

نظرتُ إلى الأطواق المضيئة حول يدي، ولسببٍ لم أستطع تفسيره... بدت أقل غرابةً من الحدود التي رسمناها نحن حول أنفسنا.

رابط الرواية على أمازون.

Comments

Popular posts from this blog

سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (31): أهداف الإسلام من إباحة القتال

Allah ﷻ in Islam: A Quran-Centric Approach (6) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

Revelation in Motion (24): The Challenge of Truth – A Book Unlike Any Other