الْيَوْمُ السَّادِسُ: هَلْ تَحْتَاْجُ الْرَحْمَةُ إِلَى سُلْطَةٍ؟
خبت أنوار الغرفة ببطءٍ، ولكن لم يأتِ الظلام كاملًا هذه المرة، بقيت خيوط ضوءٍ باهتةٍ تدور في الهواء من حولي. احتجتُ بعض الوقت لأدرك أنها ليست أضواءً، بل مخطوطات؛ عشرات المخطوطات القديمة كانت تحوم في الفضاء كطيورٍ ترفرف أجنحتها ببطءٍ، أوراقها تتوهج بلونٍ ذهبيٍّ خافتٍ، فتُلقي على الجدران المعدنية ظلالًا راقصةً جعلت الزنزانة تبدو أقرب إلى مكتبةٍ مهجورةٍ منها إلى سجنٍ.
مدَّ الفضائي يده نحو إحداها، فانفتح مخطوطٌ سريانيّ-عربيّ يتوهَّج بحروفٍ مُشتعلةٍ:
"سَتُرْفَضُ... سَتُطْرَدُ... ثُمَّ سَتَنْتَصِرُ."
ظللتُ أحدق فيها لحظةً، أما هو فكان ينظر إلَيَّ، لا إلى المخطوط، كأنه ينتظر شيئًا.
قال بصوتٍ بدا كوَقْعِ ناقوسٍ يتردَّد في فراغٍ:
"نبوءة ورقة بن نَوفل."
ثم سكت قليلًا قبل أنْ يضيفَ:
"حين تسمع هذه الكلمات... هل ترى فيها طريق ناسكٍ يعتزل صخب الدنيا... أم خُطى رجلٍ قُدِّر له أنْ يُعيد ترتيب العالم من حوله؟"
عقدتُ ذراعيَّ أمام صدري؛ كنتُ أعرف إلى أين يريد الوصول، ولهذا أجبتُ بسرعةٍ:
"كان ﷺ نبيًّا جاء برسالة التوحيد، دعا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام."
ثم أضفتُ:
"هذا دينٌ... لا سياسة."
ظهرت على وجهه تلك الابتسامة التي بدأت أكرهها؛ ليست ابتسامة سخريةٍ، بل ابتسامة شخصٍ يرى شيئًا لا تراه أنت بعدُ.
قال بهدوءٍ:
"كل نظامٍ في التاريخ بدأ بإجابةٍ عن سؤالٍ واحدٍ."
وأشار إلى المخطوطات:
"مَنْ يستحق الطاعة العليا؟"
ثم تابعَ:
"بعض الأمم جعلتها للآلهة، وبعضها للملوك، وبعضها للعرق، وبعضها للدولة، وبعضها للسوق."
ثم رفع رأسه قليلًا، وأكملَ:
"أما نبيّكم… فجاء ليُحرِّر الإنسان من كل ذلك."
ثم نظر إلَيَّ مباشرةً:
"فكيف يفعل هذا دون سياسة؟"
وقبل أنْ أُجيب، أشار بيده، فتبدّل المشهد حولنا.
اختفت المخطوطات، ووجدتُ نفسي وسط سوقٍ قديمٍ؛ أصنامٌ شاهقةٌ مُلطَّخةٌ بالخمر، وعُملاتٌ تتساقط عند أقدامها، تجّارٌ يساومون بصوتٍ عالٍ، وضجيجٌ لا ينتهي.
قال الفضائي:
"حين تسقط الأصنام..."
ثم أشار إلى السوق:
"... لا يسقط الحجر وحده؛ تسقط مصالحُ، وتسقط طبقاتٌ، وتتهاوى أنظمةٌ كاملةٌ."
كنتُ أتابع المشهد بصمتٍ، لكن شيئًا داخلي كان يقاوم، فقلتُ:
"ومع ذلك يبقى الخوف قائمًا."
التفتَ إلَيَّ، فأكملتُ:
"كلما ارتبط الدين بالسلطة ظهر مَنْ يحتكر الحديث باسم السماء."
شعرتُ بحرارة الكلمات تخرج أسرع مما أردتُ:
"كم من طاغيةٍ رفع شعارًا مقدسًا ليجعل الاعتراض عليه جريمة؟ كم من سلطةٍ بدأت دعوةً وانتهت سجنًا؟"
ثم أضفتُ بانفعالٍ:
"المقدَّس حين يدخل السلطة يصبح الاعتراض عليه خطيرًا؛ الحاكم العادي يمكن إسقاطه… لكن الحاكم الذي يقنع الناس أنه يتكلم باسم الله؟ كيف يُواجَه؟"
كنتُ أقولها وكأنني أدافع عن البشر… لكن صوتًا داخلي ارتفع بالسؤال:
"هل تخشى حقًّا الطغيان... أم التكاليف؟"
لأول مرةٍ لم يقاطعني، تركني أُنهي كلامي، ثم قال:
"وهل فعل ذلك نبيكم؟"
لم أجب، فسأل من جديدٍ:
"هل قال يومًا إنه لا يُراجع؟ هل منع أصحابه من مخالفته في الرأي؟ هل ادّعى العصمة في كل قرارٍ بشريٍّ؟"
أحسستُ أنّ السؤال أصاب شيئًا حسّاسًا داخلي.
واصلَ الكلام قائلًا:
"أنتم مَنْ خلط بين قداسة الوحي... وقداسة الحاكم."
ثم بدأ يمشي أمامي ببطءٍ، ربما لأول مرةٍ منذ أيامٍ، ثم قال:
"أخبرني... كم قاضيًا خان العدالة عبر التاريخ؟ هل ألغى الناس المحاكم؟ وكم طبيبًا قتل بإهماله؟ هل حرّموا الطب؟"
ثم توقف لحظةً قبل أنْ يكملَ:
"فساد التطبيق لا يقتل الفكرة، لكنه يكشف خيانة أصحابها لها."
سكتُّ، ولم أجد جوابًا، فتبدّل المشهد من جديدٍ.
رجلٌ نحيلٌ، غبار الطرقات يغطي ثيابه، عيناه مرهقتان، لكن فيهما شوقٌ غريبٌ. عرفته فورًا؛ سلمان الفارسي، يتنقل بين الرهبان والبلدان بحثًا عن شيءٍ لا يعرف اسمه بعدُ.
قال الفضائي:
"انظر إليه."
تابعتُ الرجل وهو يرحل من أرضٍ إلى أخرى، من شيخٍ إلى شيخٍ، ومن معبدٍ إلى آخر، كأنه يطارد ظلًا.
"هل تظن أنّ أمثال هؤلاء كانوا يبحثون عن ناسكٍ جديدٍ، يعتزل الدنيا ويتركها فريسةً للظلم والعدوان؟"
لم أجب، فأكملَ:
"كانوا يبحثون عن العدالة، عن المعنى، عن طريقةٍ للعيش، عن قائدٍ سيبني لهم عالمًا يقوم على الرحمة والإحسان."
هززتُ رأسي بترددٍ:
"لكن البشرية دائمًا تحلم بالمخلّص، هذا لا يثبت شيئًا؛ كل أُمّةٍ تنتظر شخصًا يُنقذها من الفوضى، أليس كذلك؟"
ابتسمَ:
"صحيح."
ثم أشار إلى المشهد:
"لكن الطاغية يجعل الناس يدورون حوله."
وتحوّل المشهد فجأةً، فرأيتُ النبي ﷺ.
قال الفضائي وهو يتابع الصورة:
"أما المصلح الحقيقي... فيعيدهم دائمًا إلى ما هو أكبر منه."
أردتُ أنْ أجادل، فقلتُ:
"لكن النبي ﷺ قضى ثلاثة عشر عامًا في مكة، لم يؤسس دولةً، ولم يبنِ جيشًا، بل ركّز على الإيمان."
التفتَ إلَيَّ وفي عينيه نظرةٌ غريبةٌ، كأنّ السؤال نفسه يدهشه، ثم قال والسخرية في صوته تُخالِط الجديَّة:
"وما الذي كان يبنيه إذن؟"
وانقسم العالم أمامي إلى نصفين، فأحسستُ لحظتها أنّ الانقسام لم يكُن في الشاشة... بل في وعيي أنا:
في جهةٍ... بلال بن رباح تحت الشمس؛ مقيّدًا، معذّبًا، وصوته يخرج متقطعًا: "أحد... أحد..."
وفي الجهة الأخرى... الرجل نفسه؛ واقفًا فوق مدينةٍ محررةٍ، يرفع الأذان.
شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في ظهري من قوَّة المشهدين المتزامنين، كأنهما طرفا نصلٍ واحدٍ؛ لأنّ المسافة بين الصورتين لم تكن سنواتٍ قليلةً فقط، بل مشروعًا كاملًا.
وللمرة الأولى، لم أرَ التعذيب كحدثٍ تاريخيٍّ بعيدٍ… بل كالثمن الذي يدفعه الإنسان حين يرفض أنْ يسمح للعالم أنْ يُعيد تشكيل روحه.
قال الفضائي:
"لا يُطرَق الحديدُ إلا في النار؛ لقد كان النبيُّ ﷺ يُشكِّل بشرًا... بشرًا سيحملون العدل يومًا ما إلى أصقاع الأرض."
ظللتُ أحدق في المشهدين، ثم سمعتُ نفسي أسأل:
"إذن كان كل شيءٍ معدًّا منذ البداية؟"
هزّ رأسه:
"ليس تخطيطًا بشريًّا."
ثم أضاف بصوتٍ منخفضٍ:
"بل قدرًا."
وتدفقَتْ أمامي صورٌ متلاحقةٌ؛ الراهب، الكتب القديمة، انتظار يثرب، والنبوءات... الوجوه التي عاشت وماتت وهي تنتظر.
زفرتُ مُتردِّدًا:
"لكنه لم يأتِ ليَبني إمبراطورية."
وقبل أنْ يُجيب، أضفتُ:
"أخشى دائمًا من اللحظة التي تتحول فيها الرسالة إلى دولةٍ؛ فالدول تحتاج جيوشًا وسجونًا وحدودًا… بينما الدين أنقى من ذلك."
ابتسم الفضائي ابتسامةً باهتةً:
"وهل تركُ السلطة للفاسدين يجعل الدين أنقى… أم يجعل الظلم أقوى؟"
أشار بيده فظهرت قريةٌ صغيرةٌ ليلًا؛ كانت هناك أكواخٌ خشبيةٌ، وأطفالٌ يركضون، وامرأةٌ تحمل جرّة ماءٍ، ورجلٌ عجوزٌ يجلس عند باب منزله.
مشهدٌ هادئٌ.
ثم فجأةً بدأت النيران في التهام المنازل الواحد تلو الآخر، علت الصرخات، وعمّت الفوضى. رأيتُ رجالًا مسلحين يقتحمون المكان، وامرأةً تُسحب من ذراعها، وطفلًا يصرخ، وشيخًا يُضرَب حتى يسقط.
وسط كل ذلك يظهر رجلٌ صالحٌ، يقف فوق صخرةٍ، يرفع يديه، ويصرخ:
"أيها الناس... ارحموا مَن في الأرض، يرحمكم مَن في السماء."
النيران لا تتوقف، والرجل يواصل الوعظ، والناس يواصلون الهرب.
التفت الفضائي نحوي وسأل:
"هل أنقذهم هذا الرجل الصالح بموعظته عن الرحمة؟"
أجبتُه بأسىً وأنا أنظر إلى كل هذا الدمار:
"لا."
اختفت القرية فجأةً كما ظهرت، ولكن آثار الصرخات والدمار ظلت مستمرةً في عقلي، ثم عاد صوته:
"إذا كنتم مأمورين بالرحمة... فمتى تصبح حماية الناس جزءًا من تلك الرحمة؟"
نظرتُ إليه مُطوَّلًا ثم سألتُه:
"أأنت مُقتنع فعلًا أنّ السياسة كانت جزءًا من رسالته منذ البداية؟"
همّ بالإجابة، ثم عدّل رأيه وأشار بيده.
ظهرت امرأةٌ عجوزٌ، وبجوارها رجلٌ غنيٌّ، ثم طفلٌ يتيمٌ، ثم توالت الشخصيات في الظهور الواحدة تلو الأخرى؛ قاضٍ، جنديٌّ، تاجرٌ... ثم تتابعت المشاهد بسرعةٍ تفوق قدرتي على متابعتها.
استطعتُ تمييز بعض الصور فرأيتُ كلماتٍ مثل: زكاة، ميراث، قضاء، عقود، حدود، أوقاف، سوق.
ثم سمعته يسأل:
"إذا كانت الرحمة شعورًا فقط... فلماذا ترك نبيكم كل هذه القوانين خلفه؟"
أظلمت القاعة من جديدٍ، وظهرت صورةٌ أخيرةٌ: النبيُّ ﷺ عند أبواب مكة، بعينين تفيضان بالصفح، يقف خلفه عشرة آلافٍ من أصحابه بانتظار أمرٍ لم يصدر منه قطّ، وأمامه المدينة التي طردته يومًا.
شعرتُ أنني أعرف ما سيقوله الفضائي قبل أنْ يتكلم، قال:
"هنا تظهر قيمة السلطة؛ حين تستطيع الانتقام... ثم تختار الرحمة."
لم أستطع إبعاد نظري عن المشهد، ربما لأنني تذكرتُ القدس، وتذكرتُ غزّة، وتذكرتُ عجزنا الطويل. فهمتُ لأول مرةٍ أنّ الصفح لا يكون عظيمًا حين يصدر من الضعيف، بل حين يصدر من القادر.
اقترب الفضائي من الصورة، وقال بصوتٍ خافتٍ:
"خرج مطرودًا، ثم عاد قادرًا على كل شيءٍ، ومع ذلك اختار العفو."
ثم سكتَ، ولأول مرةٍ بدا متعبًا، متعبًا حقًّا، وقال كأنه يحدّث نفسه:
"لهذا احتفظتُ بسجلاتكم."
تجمّدتُ؛ لم يقل: "درستُ تاريخكم"، أو: "قرأتُ كتبكم"، بل قال: "احتفظتُ بسجلاتكم"، وكأنّه يتحدث عن شيءٍ شاهده بنفسه، أو عن أناسٍ عرفهم. لكنه لم يكمل.
بدا لي لِلَحْظَةٍ أنّ وراء تلك الجملة قصةً كاملةً لم يحن وقتها بعدُ.
ظلّ الصمت بيننا طويلًا، قبل أنْ ينحني نحوي ويسأل:
"لماذا يصر الناس دائمًا على السؤال الخطأ؟"
لم أجب، فقال:
"أنتم تسألون: هل يصلح الدين للسياسة؟" ثم هز رأسه ببطءٍ: "لكن السؤال الذي يهمني هو العكس."
رفع عينيه نحوي:
"هل تستطيع السياسة أنْ تبقى عادلةً... إذا لم تخضع لأي شيءٍ أعلى من القوة؟"
اختفت الصور، وعادت الزنزانة؛ الجدران الزرقاء، والصمت، وبرودة المعدن. لكن السؤال بقي معلقًا في الهواء.
وحين أغمضتُ عينيَّ أخيرًا، بدا العالَم الذي جئتُ منه أقل وضوحًا مما كان، ولأول مرةٍ خطر لي أنّ المشكلة ربما لم تكن في اقتراب الدين من السياسة أكثر مما ينبغي... بل في أنّ السياسة ابتعدت طويلًا عن كل شيءٍ يسمو فوق المصلحة والقوة.
رابط الرواية على أمازون.

Comments
Post a Comment