الْيَوْمُ الثَّامِنُ: لُغْزُ الصَّنَمِ 361

 

رواية قبو الاستجواب

"اِنهَضْ أيها الأرضيُّ! كفاك نومًا... حديثنا لم ينتهِ بعدُ."

فتحتُ عينيَّ، فإذا به يُحدِّق بي بنفس النظرة الغامضة، لكن كان فيها هذه المرة شيء مختلف؛ عَجَلَةٌ مُلِحَّةٌ، ونفاد صبرٍ بادٍ عليه. هذا غريب، لماذا يبدو مضطربًا هكذا؟ هل هناك خطرٌ في موطنه؟ أزمة عائلية؟ زوجة متسلطة؟

وخزني الخاطر... زوجتي، نور عيني؟ أولادي، مُقلتاي؟ هل يبحثون عني الآن؟ وجوهٌ تتسابق في ذهني؛ أمي، جَنّتي... أخي، سَنَدي... أصدقائي، رُفقاء دربي. ثم اندفع مشهد آخر كطعنةٍ نافذةٍ: أطفال غزة! أطفالٌ يُشبهون أطفالي؛ يُقتّلون، ويُشرَّدون، ويُيتَّمون، بينما العالم يواصل التمرير على شاشاته.

أصبحت حقيقة وجودي في هذا القبو لا تحتمل، كأنني اختبأتُ هنا بينما تُسحقُ أرواحهم هناك. كيف أصبحنا بهذه البلادة؟

هزَّة عنيفة أيقظتني من شرودي، فصرختُ في وجهه وقد تملَّكني الغضب أخيرًا، ليس منه بل من ضعفي:

"ما مشكلتك؟ هل غاب عن جنسكم فصلُ الآداب من سِجل الحضارة، أم أنني ما زلت أسيرًا عندك؟"

ابتسم ببرودٍ:

"لستُ وَقِحًا... لكن الوقت أضيق من أنْ أكون مُهذَّبًا."

الكلمة لسعتني؛ سمعتها من قبلُ من رجلٍ اصطدم بأحدهم في الشارع ومضى دون اعتذارٍ. هذا عجيب، حتى غطرسة هذه الكائنات الذكية تُذكِّرني بأسوأ ما في الأرض؛ يبدو أنّ الكبرياء صفة مشتركة في مخلوقات هذا الكون الفسيح.

﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ...﴾ (سورة يس: 30)

آهٍ لو عرفوا الإسلام حقًّا... أيُّ حضارةٍ كانت ستُبنى لو اقترنت براعتهم المادية بإطارٍ يُهذِّب النفس ويرفع الروح؟

ثم تجمَّدتُ؛ لأول مرةٍ شعرتُ بالخوف من الفكرة نفسها، لأنني لم أعد أتساءل: هل يجب أنْ يحكم الدين؟ بل بدأتُ أتساءل: ماذا لو كان غيابه هو سبب هذا الخراب أصلًا؟

لكن... أليس نموذجنا نحن من فشل؟ هل الدرس أنْ نُبقي الدين بعيدًا عن السياسة، أم أنّ ذلك كان الخطأ القاتل؟ 

أيُمكن أنْ يكون التَّرف نفسه هو الداء؟ ليس مُطلقًا، لكن النمط يتكرَّر عبر التاريخ. 

فكرةٌ بدت مجنونةً حتى لي، هل دسُّوا شيئاً في طعامي؟ هززتُ رأسي بعنفٍ، وكأنني أُحاول طرد الفكرة من داخلي:

"لا... ليس كل مُترَفٍ فاسدًا، وليس كل فقيرٍ مؤمنًا."

لكن السؤال ظل يُطاردني: هل هناك علاقة بين الرَّفاه، والانحلال، ورفض الإيمان؟

وقبل أنْ أجد جوابًا، ارتجف أحد جدران القبو. ظننت الفضائي فعلها، لكنه كان ينظر إليّ باستغرابٍ، كأنه لم يفعل شيئًا. ثم ظهرت أمامي ثلاث مدنٍ؛ الأولى فقيرةٌ، والثانية متوسطةٌ، والثالثة تلمع أبراجها حتى كادت تحجب السماء.

مرّت القرون أمام عيني في ثوانٍ؛ المدينة الأولى تكافح للبقاء، والثانية تبني، والثالثة تحتفل، ثم تحتفل أكثر، ثم أكثر، ثم بدأت المعابد تفرغ، ثم اختفت الأُسر، ثم صار الأطفال يُربَّون على الشاشات، ثم امتلأت الشوارع بأناسٍ يملكون كل شيءٍ... إلا سببًا للعيش.

واختفت المدن الثلاث، وبقي سؤال واحد معلقًا: ماذا يحدث للإنسان حين يملك ما يكفي ليستغني عن السؤال؟

بدأت بعدها الآيات في الظهور واحدةً تلو الأخرى:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (سورة العلق: 6-7)

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 16)

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (سورة سبأ: 34)

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 64)

حفرتُ الآيات في ذاكرتي كدروعٍ واقيةٍ، ربما أحتاجها في رحلتنا القادمة.

"هيا أيُّها الأرضيُّ!" صرخ الفضائي مجدَّدًا وهو يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا.

ابتسمتُ... لقد استشاط غضبًا؟ لأول مرةٍ بدا قابلاً للاستفزاز. 

لكن لا... هذه ليست لعبةً؛ ربما لم تكُن هذه الزنزانة سجنًا أصلًا... بل مرآةً أُجبرتُ أخيرًا أنْ أنظر فيها إلى نفسي. سأغتنم الفرصة لمُراجعة كل ما ظننتُه بديهيًّا. ثم خطر لي شيء أكثر غرابةً؛ ربما لم يكن غاضبًا مني أنا، بل من الوقت، ربما من شيءٍ يخشى أنْ يفوته قبل أنْ يُكمل مهمته.

سألتُه بهدوءٍ هذه المرة، هدوءِ المُستسلِم للقدر لكن المُتأهبِ للمعركة:

"وماذا تُريد الآن؟"

ترَاخَى قليلًا وقال:

"لقد قطعتَ لي وعدًا البارحة، هيا نُكمل حديثنا."

أومأتُ برأسي:

"صحيح، لكن أولًا... عليَّ أنْ أعود. أُريد أنْ أرى: هل حكم الإسلام فعلًا، أم أنها مُجرَّد أُسطورةٍ صنعناها؟ أُريد أنْ أرى الإسلام قبل أنْ ترثه الدول الحديثة؛ أرني البدايات... لأرى ما فقدناه."

فكَّر لحظةً، فبادرته قائلًا:

"ومسألة التأويل—وكيف تُمزِّق المسلمين اليوم—سنُؤجِّلها لما بعد الرحلة، اتفقنا؟"

تردَّد قليلًا ثم أومأ برأسه:

"اتفقنا، لكن لديَّ سؤال أخير قبل أنْ نبدأ."

تنهَّدتُ:

"تماماً كأطفالي... دائمًا هناك سؤال آخر؛ أحيانًا بدافع الفضول، وأحيانًا لمُجرَّد استفزازي."

ابتسم ابتسامةً صافيةً هذه المرة:

"لستُ ابنك، لكنني أُحاول مساعدتك."

ثم اشتدَّت نبرته فجأةً، صارمةً كالسيف:

"سجلاتنا تُشير إلى أنّ قُريشاً كانت أكثر تسامحاً مع التعدُّد الديني من ديمقراطياتكم العَلمانية الحديثة، هل تتفق مع هذا الرأي وتفاصيله؟"

وقبل أنْ أرد، ظهرت فجأةً حول الكعبة مئات الوجوه؛ لم تكن أصنامًا متشابهةً، بل مختلفةً تمامًا؛ صنمٌ للحرب، وصنمٌ للمال، وصنمٌ للخصوبة، وصنمٌ للخوف، وصنمٌ للنسب، وصنمٌ للتجارة. وكلما ظهر صنمٌ ظهر حوله قومٌ يصفقون له. ثم ظهر فراغٌ صغيرٌ بين الأصنام، فراغٌ واحدٌ فقط، وكأنه مكانٌ محجوزٌ لشيءٍ لم يولد بعدُ.

عندها همس الفضائي:

"يبدو أنه كان لديهم مكانٌ للصنم رقم 361..."

ثم نظر إليّ:

"لكن هل ارتكب نبيّكم خطأً حينما رفض أنْ يكون واحدًا منها؟"

تحرك الشعور الديني داخلي فأجبتُ بسرعةٍ:

"تسامحهم هذا لم يكن نابعًا من مبدأٍ أخلاقيٍّ."

التقط طرف الخيط فأكمل ببساطةٍ:

"أعلم ذلك جيدًا؛ فالأصنام لم تطالبهم بشيءٍ، والأصنام التي لا تُغيّر المجتمع… لا تُخيف أحدًا."

ثم أشار إلى الكعبة:

"أما التوحيد فكان مختلفًا؛ كان يطلب نقل مصدر السيادة نفسه."

ثم سألني بفضولٍ حقيقيٍّ:

"إذا كانت قُريشٌ تتسامح مع كل ذلك—فلماذا لم يُضيفوا الإسلام كصنمٍ رقم 361؟"

لوّح الفضائي بيده، فظهر النبي ﷺ داخل المشهد، ثم ظهر مجلس قريشٍ، لكن هذه المرة تغيّر الحوار؛ قال أحدهم:

"نبني لك بيتًا بين آلهتنا."

وقال آخر:

"ونجعل لك يومًا خاصًا."

وقال ثالث:

"ونكتب اسم إلهك بجوار أسمائنا."

ثم التفتوا جميعًا إليه ينتظرون موافقته.

للحظةٍ شعرتُ بالراحة؛ ففي هذا الواقع البديل ستتغير الأشياء إلى الأفضل حتمًا، سينتهى الصراع، والتعذيب، والمقاطعة، والهجرة.

ثم رأيتُ المشهد يتشقق، وبدأت كلمة "لا إله إلا الله" تتلاشى من الهواء شيئًا فشيئًا حتى اختفت، وانتهى كل شيءٍ، وعاد الصمت.

اقترب وهَمَسَ:

"هل أدرك مُشركو قريشٍ في كلمات النبي ﷺ: «قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» ما نَسيه المسلمون اليوم؟"

شعرتُ بوخزةٍ مُهينةٍ في صدري. أيعقل أنّ خصوم النبي ﷺ فهموا أبعاد رسالته... أكثر مما نفهمها نحن بعد أربعة عشر قرنًا؟

استدار نحو لوحته وهو يقول:

"دعنا نرى ما حدث حين نطق بها لأول مرةٍ."

وفجأةً اهتزَّت الأرض تحتنا؛ الجُدران لم تَذُب، بل أعادت تشكيل نفسها بسرعةٍ مُذهلةٍ، كما لو أنّ الذاكرة صارت حجارةً، وبدأ الهواء يتلألأ بضوءٍ غريبٍ. ارتفعت الكعبة أمامنا ببُطءٍ—ليست الكعبة التي عرفتها، بل ما قبل الوحي: بدائيةً، مُزدحمةً، تُحيط بها الأصنام ورائحة الدم والقرابين.

قال الفضائي بصوتٍ بدا كأنه يفتح بابًا قديمًا أُغلِق منذ قرونٍ:

"فلتبدأ الرحلة."

شعرتُ وقتها أنّ أخطر ما في الرحلة... أنني قد أعود منها شخصًا آخر غير الذي دخل هذا القبو أول مرةٍ. وكم كنتُ محقاً!
 
رابط الرواية على أمازون 


Comments

Popular posts from this blog

Allah ﷻ in Islam: A Quran-Centric Approach (6) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (31): أهداف الإسلام من إباحة القتال

Revelation in Motion (24): The Challenge of Truth – A Book Unlike Any Other