الْيَوْمُ التَّاسِعُ: النِّدَاءُ الَّذِي أَرْعَبَ مَكَّةَ

 

رواية قبو الاستجواب

ارتجفَ جسدي كله حين دوَّى صوته:

"والآنَ… فلتَبْدَأِ الرِّحلةُ."

أحسست بأنّ عقلي يكاد ينفجر من فرط الاحتمالات؛ بأي آلةٍ يسافر هؤلاء عبر الزمن؟ وهل تحتمل أجساد البشر الهشَّة هذا العبور؟ هل سأشعر بألمٍ لا يطاق كما قرأتُ في قصص الخيال العلمي؟ هل قوانين الزمن عندهم تُشبه قوانيننا؟ وهل وجهتنا ستكون الأرض... أم تاريخ الأرض؟

قصص الخيال العلمي؟ يبدو أنّ معظم تصوُّراتي عن المستقبل لم أصنعها أنا أصلًا... بل ورثتُها من أفلامٍ ومسلسلاتٍ وأدبٍ غربيٍّ ظلَّ يُخبرنا منذ الطفولة كيف يجب أنْ نتخيَّل الغد.

أطلق الفضائي ضحكةً مُجلجلةً ساخرةً:

"ما بك أيها الأرضيُّ؟ لماذا تبدو شاحبًا هكذا؟"

تماسكتُ بصعوبةٍ، والأرض تميد بي:

"أنا بخير... مستعدٌّ."

ابتسم ابتسامةً حادةً:

"إذن اجلس."

نظرتُ حولي؛ لا كرسي هنا لأجلس عليه، لا يوجد سوى السرير الذي نهضتُ عنه منذ قليلٍ. لكن فجأةً—كأنَّ الغرفة قرأت أفكاري—انبثق أمامي مقعدٌ غريبٌ؛ يُشبه عرشًا مستقبليًا منحنيًا، بظهرٍ مرتفعٍ، تعلوه خوذةٌ شفافةٌ تنبض بألوانٍ متعاقبةٍ: أحمر، فأصفر، فأخضر... كأنها تُعلن عبوري إلى عالمٍ آخر.

تجّهم وجهي:

"ما هذا العبث؟ أين آلة الزمن؟"

قهقه الفضائي، مستمتعًا بحيرتي:

"ألم تقل إنّ السفر عبر الزمن محْض خيالٍ؟ وإنّ أقصى ما يمكنكم هو... مشاهدة الماضي؟"

انهالت كلماته عليَّ كالصاعقة؛ كنتُ ما زلت أتشبث ببقايا أملٍ مستحيلٍ: أنْ أرى النبيَّ ﷺ بعيني، لا عبر كُتبٍ أو رواياتٍ، وأنْ أجلس بين الصحابة، وأنْ أسمع صوته بلا وسيطٍ. كنتُ أعلم أنّ كثيرًا من أصحابه لم يُديموا النظر في وجهه الشريف مهابةً وإجلالًا، وأنّ ذلك الشرف ليس لي، لكن الشوق ظل طعنةً حلوةً في قلبي.

جلستُ وقد انسدلت كتفاي، انخفضت الخوذة برفقٍ على رأسي، وبدأ المقعد يهتزُّ اهتزازًا خفيفًا، ثم جاء صوتٌ هادئٌ، آدميّ النبرة:

"اِختر السنة."

تردَّدتُ لحظةً، ثم همستُ:

"ستّ مئة وثلاث عشرة."

(عام الجهر بالدعوة بعد ثلاث سنواتٍ سرًّا).

"اِختر الموقع التاريخيَّ."

"الصفا."

خرجت الكلمة تلقائيًا.

"تم التأكيد. بدء المحاكاة العصبية. الرجاء الانتظار."

ثم انحلَّ كل شيءٍ؛ ظلامٌ، فَنُورٌ.

المُحاكاة: مكّة، 613م. الصفا

ظهيرةٌ قائظةٌ، غُبارٌ، وصَمْتٌ.

ثم صوته ﷺ يتردد كالرعد:

"يَا بَنِي فِهْرٍ! يَا بَنِي عَدِيٍّ!"

ارتجَّت مكة؛ لم تسمع من قبلُ نداءً كهذا. التفتُّ—أو لعل الزمن هو من أدارني—نحوه. لم يكن هذا شاشةً ولا واقعًا افتراضيًا، كنتُ هناك؛ حواسي اندمجت في ذاكرة التاريخ نفسه. رأيتُ النبيَّ ﷺ قائماً على جبل الصفا، تُحيطه الشمس المُلتهبة والسماء الراجفة، صوته يُجلجل: قويٌّ، مُحبٌّ، نذيرٌ.

خرجت قريش من أزقَّتها وأبوابها المُظلَّلة؛ وجوهٌ أعرفها من السيرة: أبو لهب، أبو جهل، أبو سفيان... أصغر سنًّا، لم يبلغها بعدُ سُمُّ العداوة المُقبلة.

سكت الجمعُ، فسألهم النبيُّ ﷺ:

"أرأيتُم لو أخبرتُكم أنَّ خيلًا بالوادي تُريد أنْ تُغير عليكم، أكنتُم مُصدِّقيَّ؟"

تردَّدت الأصوات:

"ما جرَّبنا عليك كذبًا قط."

قال ﷺ:

"فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ."

بدت الكلمات كأنها شقَّت روح مكة نفسها، حتى خُيِّل إلـيَّ أنّ المدينة انكمشت تحت وَقْعها. شعرتُ بها في صدري؛ ثِقل الحقيقة انغرس في كياني.

فجأةً توقفت المحاكاة؛ تجمَّد الجميع في أماكنهم، حتى ذرات الغبار بدت معلّقةً في الهواء، ثم انطلق الصوت الهادئ:

"تحليل الاستجابة العصبية المحتملة..."

لم أفهم ما تعنيه، ولكن المشهد كان أبلغ من أي وصفٍ. ظهرت طبقاتٌ شفافةٌ من الصور فوق رأس أبي لهب: الكعبة، القوافل، الذهب، مجالس قريش، العبيد، التحالفات، الأسواق... ثم سمعت كلمة التوحيد بصوتٍ عالٍ: "لا إله إلا الله"، فبدأت الصور بالتشقق واحدةً تلو الأخرى. ظهرت علامات الألم على وجه أبي لهب، وكأنّ الصور المتشققة تنهال عليه كالحمم، فصرخ قائلًا:

"تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟"

فوجئت بالفضائي يقف بجانبي، وسمعت صوته يقول:

"أرأيت؟"

لكن عقلي قاوم الفكرة بعنفٍ، كانت عيني ما زالت مثبتةً على أبي لهب حينما سمعت صوت المحاكاة:

"اختر."

ظهر أمامي خياران؛ الأول: محمد ﷺ يسكت. الثاني: محمد ﷺ يجهر بالدعوة.

ضغطتُ على الخيار الأول لأرى ما سيحدث:

لم يتغير شيءٌ، ظلّت الأصنام، والأسواق، وقريش كما هي.

بدافع الفضول، ضغطتُ الخيار الثاني:

لم ينهَر المشهد دفعةً واحدةً، بل بدأ أولًا في عيون الناس؛ رجال قريش يلتفتون بقلقٍ، التجّار يتوقفون عن المساومة، الأصنام تبدو أصغر، ثم امتدت الشقوق من الحجر إلى الوجوه، ومن الوجوه إلى السوق، ومن السوق إلى مكة كلها. وحين اكتمل الانهيار، لم يظهر فراغٌ... بل ظهرت مكة التي أعرفها والكعبة تحيط بها أمواجٌ من البشر يلبّون النداء من كل مكانٍ.

سمعتُ صوته المُنخفض، كان يُراقبني بذراعين معقودتين:

"الآن فهمتَ لماذا لم يكن الصراع على حجرٍ."

عجز لساني عن الجواب، فالمشهد أجاب قبلي. اقترب أكثر، وأضاف هامسًا:

"ما زلتَ لا تفهم."

ثم استدار، وغاب ظلُّه وسط الضباب الهُولُوجْرَامِيّ.

وبقيتُ وحدي عند الصفا... أشاهد رجلًا واحدًا يهزُّ مدينةً كاملةً بكلمةٍ، وأتساءل: كيف نجحنا نحن في تحويلها إلى مجرَّد همسٍ داخل المساجد؟

وفجأةً بدأت الأصوات تتعالى من حولي؛ لم أستطع رؤية المتكلمين بوضوحٍ، ولكن همساتهم كانت تصلُني كأنهم يهمسون في أذني.

سمعت رجلًا يقول:

"إنْ اتبعناه ضاع أمر القبائل."

وآخر يقول:

"ومن يحكم العرب بعد ذلك؟"

وثالث يتساءل:

"وماذا يبقى لسادتنا؟"

ثم آخر:

"إذا صارت الطاعة لإلهه... فمن يطيعنا نحن؟"

اختلطت الأصوات وارتفعت حتى لم أعد أميّز أصحابها، ولم يبقَ في مكة سوى سؤالٍ واحدٍ يتردد بين الجبال والبيوت والأسواق:

"ومن يحكم بعد هذا؟"

ثم تردّد السؤال مرةً أخرى... لكن هذه المرة شعرت أنه لا يأتي من قريشٍ وحدها، بل من داخلي أنا أيضًا.
 
رابط الرواية على أمازون 


Comments

Popular posts from this blog

Allah ﷻ in Islam: A Quran-Centric Approach (6) وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

سلسلة دروس وعبر من السيرة النبوية الشريفة (31): أهداف الإسلام من إباحة القتال

Revelation in Motion (24): The Challenge of Truth – A Book Unlike Any Other